spot_img

ذات صلة

جاسم صفر الهيدوس: رحيل أيقونة الثقافة والإعلام في قطر

عندما يُذكر اسم جاسم صفر الهيدوس، فإننا لا نتحدث فقط عن علم من أعلام قطر العصاميين، بل عن شخصية قطرية متعددة المواهب، غزت بروحها الوثابة وسمو أحاسيسها مجالات الإذاعة والصحافة والأدب والشعر والدراما والأغنية، تاركةً في كل مجال بصمة خاصة ستخلدها الأيام وتتذكرها الأجيال. لقد شكّل رحيله في 16 يناير 2023 عن عمر ناهز 72 عاماً، حدثاً صادماً للأوساط الإعلامية والثقافية في قطر والخليج العربي، وخسارة فادحة لمشهد إبداعي كان أحد أبرز رواده وصانعيه.

خلفية ثقافية وتاريخية لمسيرة الهيدوس

نشأ جاسم صفر الهيدوس في فترة حيوية من تاريخ قطر الحديث، حيث شهدت البلاد في منتصف القرن العشرين نهضة شاملة تزامنت مع بدايات اكتشاف النفط. وُلد الفقيد في مدينة الخور الساحلية عام 1951، وهي بيئة ارتبطت بالبحر والغوص، ما انعكس لاحقاً على كتاباته التي حملت عمق البحر وصفاءه. في تلك الفترة، كانت المؤسسات الثقافية والإعلامية القطرية في طور التأسيس، وشكّل رواد مثل الهيدوس جزءاً أساسياً من عملية بناء الهوية الإعلامية والثقافية للدولة. انطلاقته من إذاعة قطر في الثمانينيات لم تكن مجرد بداية مهنية، بل كانت مساهمة فعالة في تشكيل وجدان المستمع القطري والخليجي عبر برامج أثرت في الذاكرة الجماعية.

أهمية إرث الهيدوس وتأثيره الممتد

لا يمكن حصر تأثير جاسم صفر الهيدوس في الجانب المحلي فقط، بل امتد إرثه ليترك بصمة إقليمية واضحة. على الصعيد المحلي، يُعد الهيدوس أحد أعمدة الأغنية الوطنية القطرية؛ فكلماته لأغنية “عيني قطر” أصبحت نشيداً يتردد في كل مناسبة وطنية، معبرةً عن حب راسخ للوطن. كما ساهمت كتاباته الدرامية والمسرحية في إثراء المكتبة الفنية القطرية بأعمال ناقشت قضايا اجتماعية بأسلوب مميز. أما إقليمياً، فقد تجاوزت أعماله حدود قطر، حيث تعاون مع فنانين خليجيين بارزين، وأصبحت كلماته جزءاً من المشهد الغنائي الخليجي، مما رسخ مكانته كأديب وإعلامي خليجي مؤثر.

مسيرة مهنية حافلة بالإبداع

بدأ الراحل حياته المهنية من إذاعة قطر التي التحق بها في عقد الثمانينيات، وسرعان ما شق طريقه ليصبح اسماً متداولاً كمعد ومقدم لعدد من البرامج الناجحة مثل “تقاسيم وأوراق شعبية” و”صدى الوجدان” و”همسة عبر الأثير”. ومن الإعلام المسموع، انتقل إلى بلاط صاحبة الجلالة “الصحافة”، حيث ترأس تحرير جريدة “شباب اليوم”، ثم انتقل كاتباً في كبريات الصحف القطرية مثل “الشرق” و”الراية” و”الوطن” عبر زاويته الشهيرة “من غير ليش”. كما تقلّد مناصب هامة منها رئيس القسم الإعلامي بالمجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث.

شهادات في حق الراحل

نعاه رفيق دربه الإعلامي والروائي الدكتور أحمد عبدالملك قائلاً: “إن الثقافة القطرية فقدت عنصراً هاماً من عناصر الإنتاج الأدبي المنوع، فقد كتب القصة والشعر والنثر والسيرة، وسوف نفتقده في الساحة الأدبية والفنية”. بينما قال عنه الفنان والملحن مطر علي: “ترك فراغاً كبيراً في ساحة الأغنية، كونه يكتب المفردة القطرية الشعبية الجميلة سواء كانت وطنية أم عاطفية”. أما الفنان علي عبدالستار، الذي تعاون معه في أعمال خالدة، فقد وصفه بـ “المنقذ” لقدرته الفريدة على صياغة الكلمات لتناسب اللحن الموسيقي بسلاسة وإبداع.

إرث فني خالد

ترك الهيدوس خلفه إرثاً فنياً غنياً ومتنوعاً. في مجال الأغنية، كتب روائع مثل “عيني قطر”، “أنا أقول آه”، “يا منتخبنا الغالي”، و”كل شيء فيك يلفت النظر”. وفي التلفزيون، كتب أعمالاً درامية منها “تناتيف” وسباعية “دانة” و”مغامرات جاسم”، كما كتب تترات مسلسلات شهيرة مثل “حتى إشعار آخر”. ولم يغب عن المسرح، حيث ألف مسرحية الأطفال الغنائية “مدينة المحبة” عام 1990. كما أصدر عدة دواوين شعرية منها “كانت هناك”، “جسور العطش”، و”الأشجار تموت واقفة”.

spot_imgspot_img