في ظل قلق واسع النطاق اجتاح الأوساط الفنية والجماهيرية في العراق والوطن العربي، تعرض الفنان العراقي الكبير جاسم شرف، المعروف بلقب “صانع الابتسامة”، لأزمة صحية طارئة استدعت نقله الفوري إلى المستشفى لتلقي الرعاية الطبية اللازمة. وقد تدهورت حالته الصحية إثر خضوعه لعملية قسطرة قلبية، مما أثار موجة من التكهنات والشائعات حول وضعه. وفي خضم هذه الأنباء المتضاربة، سارعت نقابة الفنانين العراقيين إلى نفي الأنباء المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي التي زعمت وفاته، مؤكدة أن هذه الأخبار لا أساس لها من الصحة، ودعت الجمهور إلى استقاء المعلومات من مصادرها الرسمية الموثوقة.
هذه الأزمة الصحية ليست الأولى التي يمر بها الفنان القدير. فقبل نحو عامين، تعرض جاسم شرف لجلطات دماغية وقلبية متتالية، تركت آثاراً بالغة على صحته، حيث فقد القدرة على تحريك الجانب الأيمن من جسده. هذه الانتكاسة السابقة زادت من حدة القلق على وضعه الصحي الحالي، وجعلت محبيه يترقبون أي مستجدات بشغف ودعاء، متمنين له الشفاء العاجل والعودة إلى جمهوره الذي طالما أسعده بفنه.
يُعد جاسم شرف واحداً من أبرز الوجوه الفنية في العراق، ولقبه “صانع الابتسامة” لم يأتِ من فراغ، بل هو تجسيد لمسيرة فنية حافلة بالعطاء والإبداع، كرسها لإدخال البهجة والسرور إلى قلوب العراقيين في أحلك الظروف. ففي بلد شهد الكثير من التحديات والاضطرابات، كان الفن، وخاصة الكوميديا الهادفة، متنفساً مهماً للجمهور. وقد استطاع شرف، بأسلوبه الفريد وحضوره الطاغي، أن يخلق مساحة من الفرح والأمل، ليصبح أيقونة فنية محبوبة تتجاوز الأجيال.
بدأ الفنان جاسم شرف مشواره الفني قبل أكثر من أربعة عقود، حاملاً شغفاً عميقاً بالفن. درس التمثيل والإخراج المسرحي في معهد الفنون الجميلة، مما منحه أساساً أكاديمياً متيناً. لكن بداياته لم تكن مقتصرة على التمثيل، فقد انطلق في عالم الموسيقى والعزف، مما أضاف بعداً آخر لموهبته المتعددة. من خشبة المسرح، التي كانت منطلقاً حقيقياً لمسيرته التمثيلية، شارك في أعمال خالدة مثل مسرحية «بيت وخمس بيبان»، التي لفتت الأنظار إلى موهبته الفذة، تلتها أعمال مسرحية أخرى بارزة من بينها مسرحية «محلتنا ذهب»، التي أسهمت في ترسيخ اسمه فنياً وجماهيرياً.
لم يقتصر تألق جاسم شرف على المسرح فحسب، بل امتد ليشمل الدراما التلفزيونية، حيث شارك في العديد من الأعمال التي حققت نجاحاً باهراً. اشتهر بأدواره الكوميدية والفكاهية التي تركت بصمة لا تُمحى في ذاكرة الجمهور العراقي والعربي. أعمال مثل «العصابجية»، و«جاي وجذب»، و«جسوم أبو السموم» لم تكن مجرد مسلسلات، بل أصبحت جزءاً من الوجدان الشعبي، وتناقلت أجيال مقاطعها وحواراتها. هذه الأعمال لم تكن فقط للترفيه، بل غالباً ما حملت رسائل اجتماعية عميقة، عكست الواقع العراقي بأسلوب ساخر ومحبب، مما عزز مكانته كفنان شعبي بامتياز.
تفاعل الجمهور العراقي والعربي مع خبر أزمة جاسم شرف الصحية كان كبيراً، حيث غصت منصات التواصل الاجتماعي برسائل الدعاء والتضامن من محبيه وزملائه الفنانين. هذا التفاعل يعكس مدى الحب والتقدير الذي يحظى به الفنان، ليس فقط كفنان مبدع، بل كشخصية وطنية أسهمت في تشكيل جزء من الذاكرة الثقافية للعراق. إن تأثيره يتجاوز حدود الشاشة والمسرح، ليصبح رمزاً للصمود والإبداع في وجه التحديات، مما يجعل خبر مرضه حدثاً يتابعه الملايين بقلق وأمل في الشفاء العاجل.


