spot_img

ذات صلة

الفن التشكيلي السعودي: معرض بجدة يستكشف الذاكرة والتحول

في قلب مدينة جدة النابض بالحياة، يحتضن المركز السعودي للفنون التشكيلية معرض “ما بين وبين – ما بين الذاكرة والتحول”، الذي يقدم مشهداً فنياً دالاً على نضج الحراك التشكيلي السعودي المعاصر. يجمع المعرض خمس تجارب فنية فريدة لكل من: قصي العوامي، داليا طلال، خلود العمري، حسين حبيل، وفاطمة حكمي، في حوار بصري عميق يستكشف مفاهيم الذاكرة والهوية والتحول، ليس بوصفها مواضيع للتوثيق، بل كمادة خام قابلة للتفكيك وإعادة البناء.

السياق العام: نهضة فنية في المشهد السعودي

يأتي هذا المعرض في وقت تشهد فيه المملكة العربية السعودية طفرة ثقافية وفنية غير مسبوقة، مدفوعة برؤية السعودية 2030 التي تضع الثقافة والفنون في صميم أهدافها التنموية. لقد تحول المشهد الفني من التركيز على الفنون التقليدية والتراثية إلى احتضان كامل للفن المعاصر بأطيافه المتعددة. وأسهم تأسيس هيئات ومؤسسات ثقافية مثل وزارة الثقافة، ومعهد مسك للفنون، وظهور منصات فنية دولية كـ “بينالي الدرعية”، في توفير بيئة داعمة للفنانين السعوديين، وتشجيعهم على التجريب وطرح أسئلة جريئة حول محيطهم الاجتماعي وتاريخهم الشخصي والجماعي.

أهمية المعرض وتأثيره المتوقع

تكمن أهمية معرض “ما بين وبين” في كونه مرآة تعكس هذا التطور. فعلى الصعيد المحلي، يقدم المعرض دليلاً على تنوع المسارات الفنية وقوة الطرح الفكري لدى جيل جديد من الفنانين. أما إقليمياً ودولياً، فهو يسهم في ترسيخ مكانة جدة كمركز فني حيوي في الشرق الأوسط، ويقدم للفن السعودي المعاصر نافذة جديدة للتواصل مع الجمهور العالمي، متجاوزاً الصور النمطية ومقدماً رؤى فنية معاصرة تتناول قضايا إنسانية عالمية من منظور سعودي أصيل.

قراءات في تجارب الفنانين المشاركين

قصي العوامي: ينطلق من ذاكرة العمارة الطينية، حيث يعيد تركيب الأثر لا نسخه. يستخدم الطبقات اللونية والقصاصات والحرف العربي لبناء لوحات تجريدية تستدعي الماضي دون الوقوع في فخ الحنين، معالجاً الذاكرة كمادة قابلة للصياغة.

داليا طلال: تجد في الخيل امتداداً نفسياً وحركياً. تجربتها تتجاوز التصوير التقليدي للخيل لتصبح استكشافاً تعبيرياً للعلاقة الجسدية والوجدانية معه، وتتسم أعمالها بكثافة الحركة والتوتر اللوني الذي يعكس طاقة الموضوع.

خلود العمري: تستلهم أعمالها من الذاكرة المكانية للعمارة الشعبية في جنوب المملكة وجدة القديمة. تعتمد على السطح والملمس والتقشير كعناصر تحيل إلى الزمن والغياب وتحولات المكان، محولة الجدران والنوافذ إلى نصوص بصرية مفتوحة.

حسين حبيل: يقدم تجريداً رمزياً يتأمل في التحول ودورات الحياة. أعماله تنطلق من مفهوم “الفصل الخامس”، وهي حالة تتجاوز الزمن الخطي، حيث تتداخل العناصر والألوان في بناء بصري يدعو للتأويل والتفكير في ماهية التغيير.

فاطمة حكمي: تختتم التجربة بأسلوب يركز على تفكيك البنية الشكلية للعمل الفني. تكويناتها التجريدية القائمة على الحركة والانسياب والتوتر الداخلي تعالج ثنائية الانقسام والوحدة، مقدمة خطاباً بصرياً يتجاوز السرد المباشر نحو التأمل الفلسفي.

في المحصلة، يؤكد معرض “ما بين وبين” أن الفن التشكيلي السعودي المعاصر لم يعد معنياً فقط بتوثيق الذاكرة، بقدر ما يسعى إلى مساءلتها وتفكيكها وإعادة بنائها، ليقدم خطاباً فنياً نقدياً ومفتوحاً على المستقبل.

spot_imgspot_img