
يُعد شهر فبراير من الأشهر الغنية بالظواهر الفلكية الساحرة، حيث يقدم لعشاق الفلك وهواة الرصد فرصة فريدة لمتابعة مجموعة متنوعة من الأجرام السماوية، من القمر والكواكب اللامعة إلى النجوم الساطعة والسدم البعيدة. هذه العروض الكونية لا تقتصر على المتخصصين فحسب، بل تمثل دعوة مفتوحة للجميع للتأمل في عظمة الكون وجماله.
القمر البدر وتسمية “قمر الثلج”: بين العلم والتراث
مع بداية شهر فبراير، تشهد السماء اكتمال القمر في الأول من الشهر، وهي ظاهرة فلكية معروفة باسم “البدر”. في هذه الفترة، يتأثر رصد الأجرام السماوية الخافتة بشكل ملحوظ بسبب ضوء القمر الساطع، مما يتطلب من الراصدين التخطيط المسبق لمشاهداتهم. وقد أوضح المهندس ماجد أبو زاهرة، رئيس الجمعية الفلكية بجدة، أن تسمية “قمر الثلج” التي تُطلق على قمر فبراير البدر ليست مصطلحًا فلكيًا علميًا. بل هي تسمية تراثية تعود إلى ثقافات السكان الأصليين في أمريكا الشمالية، حيث ارتبطت تاريخيًا بفترة تساقط الثلوج الكثيفة في تلك المناطق. هذا التمييز بين التسميات الثقافية والعلمية يؤكد على أن علم الفلك يعتمد على التصنيف الدقيق للأجرام وفق حالتها الهندسية في مدارها، مثل “البدر” عندما يكون القمر على استطالة تقارب 180 درجة من الشمس، بغض النظر عن الفصل أو الطقس أو الموقع الجغرافي.
تتبع حركة القمر البدر مسارًا مميزًا في السماء؛ ففي النصف الشمالي من الكرة الأرضية، يشرق القمر مع غروب الشمس ويغرب مع شروقها، متتبعًا مسار شمس الصيف المرتفع. بينما في النصف الجنوبي، يبدو القمر منخفضًا في السماء، محاكيًا مسار شمس الشتاء. هذه الظاهرة ناتجة عن الهندسة المدارية المعقدة بين الأرض والشمس والقمر، وتُظهر كيف تؤثر الزوايا المدارية على رؤيتنا للأجرام السماوية من مواقع مختلفة على كوكبنا.
الحدث الأبرز: القمر الأحدب ونجم قلب الأسد
تُعد ليلة الثاني أو الثالث من فبراير، بحسب الموقع الجغرافي، شاهدة على أحد أبرز الأحداث الفلكية لهذا الشهر: مرور القمر الأحدب المتناقص أمام نجم “قلب الأسد” (Regulus)، وهو ألمع نجوم كوكبة الأسد وأحد النجوم الملكية الأربعة في الفلك القديم. تُعرف هذه الظاهرة بـ “الاحتجاب” عندما يمر جرم سماوي أمام آخر ليحجبه تمامًا، وهي تُرى كاحتجاب في نطاق جغرافي يمتد من شمال غرب أفريقيا إلى أجزاء من شرق ووسط كندا والولايات المتحدة. أما في المملكة العربية السعودية ومعظم دول العالم العربي، فستُشاهد هذه الظاهرة كـ “اقتران” بديع، حيث يبدو القمر والنجم قريبين جدًا من بعضهما البعض في قبة السماء دون أن يحجب أحدهما الآخر. يُعد نجم قلب الأسد، أو ألفا الأسد، نجمًا أزرق-أبيض عملاقًا، ويبعد حوالي 79 سنة ضوئية عن الأرض، وهو جزء لا يتجزأ من تراثنا الفلكي والثقافي، حيث كان يُستخدم في الملاحة وتحديد الفصول عبر التاريخ.
رقص الكواكب وعناقيد النجوم
لا تتوقف العروض السماوية عند القمر والنجوم، فكواكب مجموعتنا الشمسية تقدم أيضًا مشاهد جذابة. ففي الثامن عشر من فبراير، يمكن رصد هلال شهر رمضان الرفيع بين كوكبي عطارد والزهرة بعد غروب الشمس بفترة قصيرة، وهو مشهد يتطلب صفاء الأفق الغربي وخلوه من العوائق. وفي مساء التاسع عشر من فبراير، يظهر الهلال المتزايد بالقرب من كوكب زحل في مشهد منخفض في الأفق الغربي بعد الغروب، مقدمًا فرصة أخيرة لرؤية زحل وحلقاته قبل أن يغيب مبكرًا مع نهاية الشهر، مع إمكانية رصد قمره الأكبر تيتان.
أما كوكب المشتري، فيُعد الجرم السماوي الأبرز خلال هذا الشهر، حيث يسطع بوضوح في كوكبة التوأمان ضمن نمط نجمي شتوي يُعرف بالسداسي الشتوي. يمكن تمييزه بسهولة كنقطة شديدة السطوع في الأفق الجنوبي الشرقي بعد الغروب، وتقدم التلسكوبات مشاهد واضحة لأقماره الأربعة الكبيرة (أقمار غاليليو) وأحزمته السحابية، مما يجعله هدفًا مثاليًا للرصد الفلكي.
كنوز السماء العميقة والكسوف الشمسي
تزخر سماء فبراير أيضًا بكنوز من الأجرام السماوية العميقة التي تتجاوز الكواكب والنجوم الفردية. يمكن لهواة الفلك الاستمتاع بمشاهدة عناقيد نجمية لامعة مثل الثريا (Pleiades)، وسدم مذهلة مثل سديم الجبار (Orion Nebula) الذي يُعد أحد ألمع السدم وأكثرها شهرة، إضافة إلى أجرام أعمق مثل العنقود النجمي المفتوح ميسييه 35 وسديم الوردة. وفي الأفق الشمالي، تبرز نجوم الدب الأكبر وذات الكرسي، بينما يسطع في النصف الجنوبي نجم سهيل، الذي يحمل دلالات ثقافية ومناخية في المنطقة. وعلى صعيد الأحداث العالمية، يشهد السابع عشر من فبراير كسوفًا شمسيًا حلقيًا يُرصد قرب القارة القطبية الجنوبية، ورغم أنه لن يكون مشاهدًا في المملكة أو العالم العربي، إلا أنه يذكرنا بالديناميكية المستمرة لنظامنا الشمسي.
أهمية الرصد الفلكي وتأثيره
تُعد هذه الظواهر الفلكية فرصة عظيمة لتعزيز الوعي العلمي وتشجيع الفضول حول الكون. فمنذ فجر التاريخ، ألهمت النجوم والكواكب البشرية للتساؤل والاستكشاف، وكانت أساسًا لتطور العلوم والملاحة وتحديد الوقت. اليوم، ومع التقدم التكنولوجي، أصبح بإمكان الجميع، من خلال التلسكوبات البسيطة أو حتى بالعين المجردة في الأماكن المظلمة، الاستمتاع بهذه المشاهد الكونية. إن متابعة هذه الأحداث لا تقتصر على المتعة البصرية فحسب، بل تسهم في فهم أعمق لمكانتنا في هذا الكون الشاسع، وتلهم الأجيال الجديدة نحو دراسة العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM).


