في عالم كرة القدم الحديث، حيث تتجاوز المنافسة حدود المستطيل الأخضر لتشمل الفضاء الرقمي والإعلامي، يجد النصر نفسه، كغيره من الأندية الكبرى، في مواجهة معادلة مقلقة. فبينما يخوض الفريق مبارياته الرسمية على الميدان، تتشكل في الوقت ذاته معركة موازية في الفضاء العام، حيث تُصنع الانطباعات، وتُدار الضغوط، وتتضخم الشكوك بسرعة تفوق قدرة أي بيان رسمي على اللحاق بها. عندما تصبح تفاصيل النادي مادة متداولة على نطاق واسع قبل أن تُعالج وتُدار داخلياً، تتحول الأزمة من مجرد تعثر فني إلى خلل مؤسسي عميق في إدارة الاتصال، مما يؤثر بشكل مباشر على استقرار الفريق وتركيزه.
من هذا المنطلق تحديداً، جاءت عبارة المدرب البرتغالي المخضرم جورجي جيسوس، الذي يتمتع بخبرة واسعة في قيادة أندية أوروبية وعالمية كبرى، تشخيصاً صريحاً وواقعياً لا مجرد تفسير ظرفي: «النصر لا يملك القدرات للعب الإعلامي، لكن هناك أندية تعمل داخل وخارج الملعب». هذا التصريح، الذي أطلقه جيسوس في مؤتمر صحفي حساس قبل مواجهة الشباب ضمن الجولة الـ16 من دوري روشن السعودي، يسلط الضوء على توقيت حرج يرتفع فيه تأثير «المشهد الاتصالي» على الذهنية داخل غرفة الملابس وعلى أداء اللاعبين.
تشير القراءة الاستشارية هنا إلى أن المدرب وضع يده على عنصر غير مرئي في جدول الترتيب، لكنه مؤثر بشكل حاسم في الأداء العام للفريق: ألا وهو منظومة السمعة والصورة الذهنية. فالنادي الذي يفتقر إلى مسار اتصالي محكم يتعرض لتآكل الثقة مع كل موجة شائعات أو تسريب معلومات، ويتحول جمهوره من جمهور مساند للمشروع إلى جمهور قلق يطارد التفاصيل ويستنزف طاقته في تتبع الأخبار غير المؤكدة، مما يخلق بيئة من عدم الاستقرار تؤثر سلباً على الروح المعنوية والتركيز.
جوهر هذه المشكلة يتجسد في محورين متلازمين. المحور الأول داخلي، يتعلق بـ حوكمة المعلومات: تعدد نقاط التسريب، هشاشة سلاسل الاطلاع على المستندات الحساسة، وغياب مركز قرار اتصالي واحد وفعال. هذا يؤدي إلى ظهور روايات متناقضة تضعف الرواية الرسمية للنادي، وفي إدارة السمعة، يعد هذا مؤشراً على خلل في الامتثال الاتصالي أو صراع مصالح يستغل الفضاء العام كأداة ضغط. الأثر هنا مباشر: اضطراب داخلي، توتر ذهني، تشتيت لتركيز اللاعبين والإدارة، ثم نتائج تتأثر بشكل واضح، وهو ما أكده جيسوس داخل غرفة الملابس.
أما المحور الثاني فهو خارجي، ويرتبط بالإعلام التفاعلي ومنصات التواصل الاجتماعي التي أصبحت ساحة رئيسية لتشكيل الرأي العام. في هذا الفضاء، تتحول الشائعة بسرعة إلى «حدث» حقيقي، ويتقدم العنوان المثير على التحقق من المعلومة، وتُدار الحملات الإعلامية بخطاب استنزافي يراكم الضغط على الفريق يوماً بعد يوم. هذا النمط يعاقب النادي الذي لا يملك القدرة على قيادة الحوار الاتصالي بفاعلية، ويكافئ الطرف الذي يمتلك أدوات نفوذ خارج الملعب، مما يخلق ساحة لعب غير متكافئة.
تاريخياً، لطالما كانت كرة القدم مرتبطة بالإعلام، لكن طبيعة هذه العلاقة تغيرت جذرياً مع بزوغ عصر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. ففي الماضي، كانت الصحافة التقليدية هي المصدر الرئيسي للأخبار، وكانت الأندية تملك وقتاً أطول للرد وتصحيح المعلومات. أما اليوم، فالمعلومة تنتشر في ثوانٍ، وتتحول الشائعات إلى حقائق في أذهان الجماهير قبل أن يتمكن النادي من إصدار بيان رسمي. هذا التحول يتطلب من الأندية، وخاصة الكبيرة منها مثل النصر، تبني استراتيجيات اتصالية أكثر حداثة ومرونة لمواجهة هذا التحدي المتنامي.
تكتسب هذه القضية أهمية مضاعفة في سياق دوري روشن السعودي، الذي يشهد طفرة غير مسبوقة في الاهتمام العالمي بفضل استقطابه لنجوم عالميين من طراز كريستيانو رونالدو. هذا الاهتمام المتزايد يعني أن الأندية السعودية أصبحت تحت مجهر الإعلام الدولي، وأن أي خلل في إدارة السمعة أو الاتصال يمكن أن يكون له تداعيات تتجاوز الحدود المحلية. فالنصر، بصفته أحد الأندية الرائدة في المملكة وواجهة للكرة السعودية، يقع عليه عبء مضاعف في الحفاظ على صورته الذهنية ليس فقط أمام جماهيره المحلية، بل أمام جمهور عالمي يراقب عن كثب.
إن التأثير المتوقع لهذه المشكلة متعدد الأوجه. محلياً، يمكن أن يؤدي إلى تراجع في أداء الفريق، وفقدان ثقة الجماهير، وصعوبة في استقطاب المواهب المحلية. إقليمياً ودولياً، قد يؤثر سلباً على العلامة التجارية للنادي، ويقلل من جاذبيته للمستثمرين والرعاة، بل وقد يعيق جهود الدوري السعودي ككل في ترسيخ مكانته كواحد من الدوريات الكبرى عالمياً. إن القدرة على إدارة السرد الإعلامي وحماية سمعة النادي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من استراتيجية النجاح الشاملة في كرة القدم الحديثة.
المعالجة الفعالة لهذه التحديات تبدأ ببناء منظومة اتصال احترافية ذات ثلاث طبقات متكاملة. الطبقة الأولى هي إطفاء الشائعات، وتتطلب رصداً لحظياً للاتجاهات السلبية، وإرسال رسائل قصيرة عالية الدقة والوضوح، وتصحيحاً سريعاً يعيد ضبط الإطار دون تصعيد غير ضروري. الطبقة الثانية هي إدارة الصورة الذهنية، وتتم عبر خطاب ثابت ومتسق، ونبرة موحدة تعكس قيم النادي، ومحتوى إعلامي يرفع الثقة ويقدم النادي كمنظومة مستقرة ومحترفة. أما الطبقة الثالثة والأكثر أهمية فهي إيقاف التسريبات من المصدر، وذلك من خلال صلاحيات وصول مقننة للمعلومات، وتتبع دقيق لمسار الوثائق، وتطبيق بروتوكولات سرية صارمة، ومساءلة واضحة تعيد الانضباط الداخلي قبل أن تعيد الهدوء العام.
لقد قدّم جيسوس تشخيصاً عميقاً يسبق العناوين اليومية: المنافسة الحديثة في كرة القدم لم تعد تقتصر على الجانب الفني والتكتيكي، بل هي منظومة متكاملة تحمي الفريق خارج الملعب وتغلق منافذ التشويش. وفي حالة النصر، أصبح إصلاح منظومة الاتصال الجماهيري شرطاً أساسياً لتحقيق التوازن الذهني والاستقرار النفسي للاعبين والإدارة، قبل أن يكون مجرد خيار لتحسين الصورة العامة. إنه استثمار استراتيجي في مستقبل النادي ونجاحه المستدام.


