في تطور قضائي لافت داخل أروقة محاكم هونغ كونغ، أصدرت محكمة الاستئناف اليوم (الخميس) حكماً يقضي بإلغاء إدانة قطب الإعلام البارز والمناضل المؤيد للديمقراطية، جيمي لاي، في قضية الاحتيال التي شغلت الرأي العام، مسقطة بذلك حكم السجن الصادر بحقه في هذا الملف. ومع ذلك، يظل هذا الانتصار "رمزياً" إلى حد كبير، حيث لا يزال لاي يقبع خلف القضبان تنفيذاً لأحكام أخرى مشددة تتعلق بقانون الأمن القومي.
تفاصيل الحكم وتبرير المحكمة
أقر القضاة جيريمي بون، وأنتيا بانغ، وديريك بانغ، في حيثيات الحكم بأن المحكمة الأدنى درجة قد "أخطأت" في تقييمها القانوني للقضية. وخلصت هيئة المحكمة إلى أن شركة "آبل ديلي برينتينغ" لم تكن ملزمة قانوناً بالإفصاح عن وجود شركة استشارات خاصة تُدعى "Dico Consultants Ltd" داخل مقر الصحيفة، معتبرة أن استنتاجات القاضي السابق التي بنيت عليها الإدانة كانت "غير قابلة للدعم قانونياً". وبناءً على ذلك، تم منح لاي والمدير التنفيذي السابق لشركة "نكست ديجيتال"، وونغ واي-كيونغ، الإذن بالاستئناف وإلغاء العقوبات الصادرة بحقهما.
السياق العام: من هو جيمي لاي؟
يُعد جيمي لاي (78 عاماً) أحد أبرز الرموز المدافعة عن الحريات في هونغ كونغ. أسس صحيفة "آبل ديلي" (Apple Daily) التي كانت الصوت الأعلى في انتقاد السياسات الصينية ودعم الحركة الديمقراطية في المدينة، خاصة خلال الاحتجاجات الحاشدة التي اندلعت عام 2019. وقد أُجبرت الصحيفة على الإغلاق بعد تجميد أصولها ومداهمة مقرها من قبل الشرطة، مما شكل ضربة قاصمة لحرية الصحافة في المستعمرة البريطانية السابقة.
خلفية قضية الاحتيال
تعود جذور قضية الاحتيال إلى ديسمبر 2022، حين حُكم على لاي بالسجن لمدة خمس سنوات وتسعة أشهر. استند الحكم حينها إلى اتهامات بانتهاك شروط عقد إيجار مقر الصحيفة عبر السماح لشركة استشارات خاصة بالعمل من داخل المبنى دون ترخيص. وقد رأى القاضي الابتدائي وقتها أن لاي تصرف "تحت مظلة مؤسسة إعلامية" لإخفاء هذا النشاط، وهو ما دحضته محكمة الاستئناف اليوم.
قانون الأمن القومي: العقبة الكبرى
رغم هذا الانتصار القانوني النادر، لن يغادر جيمي لاي زنزانته. يأتي قرار التبرئة هذا تزامناً مع استمرار تنفيذ حكم آخر بالسجن لمدة 20 عاماً صدر بحقه بموجب قانون الأمن القومي الذي فرضته بكين في عام 2020. يواجه لاي في هذا السياق تهماً خطيرة تشمل "التآمر مع قوى أجنبية" ونشر مواد تحريضية، وهي تهم يصفها لاي وأنصاره بأنها ذات دوافع سياسية تهدف إلى إسكات المعارضة.
المخاوف الصحية والضغوط الدولية
تتصاعد المخاوف بشأن الحالة الصحية لقطب الإعلام المسن، حيث أفادت عائلته بتدهور وضعه الصحي داخل السجن الانفرادي المشدد الحراسة الذي يقبع فيه منذ أكثر من خمس سنوات. يعاني لاي من مشاكل صحية متعددة تشمل انسداداً وريدياً في الشبكية، ارتفاع ضغط الدم، ومشاكل في القلب والسمع.
وقد تحولت قضية لاي إلى نقطة احتكاك دبلوماسية، حيث دعت منظمات حقوقية وحكومات غربية، بما في ذلك الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، إلى الإفراج الفوري عنه. وقد أثار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب القضية في محادثات سابقة مع القيادة الصينية، وسط توقعات باستمرار الضغط الدولي خلال اللقاءات الدبلوماسية المرتقبة.
دلالات التوقيت والتأثير
يحمل هذا الحكم دلالات متباينة؛ فمن جهة، يثبت استقلالية نسبية لبعض درجات التقاضي في القضايا غير السياسية البحتة، ومن جهة أخرى، يؤكد إحكام القبضة الأمنية عبر قانون الأمن القومي الذي يظل هو الحاكم الفعلي لمصير النشطاء السياسيين. وبينما وصف سيباستيان لاي، نجل جيمي، القرار بأنه "لا يغير شيئاً" على أرض الواقع، فإنه يعيد تسليط الضوء العالمي على واقع الحريات وسيادة القانون في المركز المالي الآسيوي.


