في تطور مقلق يعيد شبح العنف إلى الواجهة، هز انفجار دامٍ العاصمة الأفغانية كابول يوم الاثنين، مستهدفاً مطعماً يديره صينيون في حي شهرنو الحيوي. تبنى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) المسؤولية عن الهجوم، الذي خلف قتلى وجرحى وأثار موجة استنفار أمني واسعة، مما يسلط الضوء مجدداً على التحديات الأمنية المستمرة في البلاد.
أسفر الهجوم، وفقاً لمسؤولين أفغان ومنظمة “إميرجنسي” الإيطالية غير الحكومية التي تدير مستشفى في كابول، عن مقتل سبعة أشخاص على الأقل، بينهم مواطن صيني وستة أفغان، إضافة إلى إصابة 13 آخرين، من بينهم أربع نساء وطفل، نُقلوا على وجه السرعة لتلقي العلاج. وقع الانفجار داخل مطعم “نودلز” الذي يرتاده في الغالب مسلمون صينيون، مما أضاف بعداً حساساً للعملية في ظل تزايد الحضور الصيني في أفغانستان.
تأتي هذه الهجمات في سياق تاريخي معقد لأفغانستان، التي عانت عقوداً من الصراعات والاضطرابات. فبعد انسحاب القوات الأجنبية وسيطرة حركة طالبان على السلطة في أغسطس 2021، كان هناك أمل حذر في استقرار أمني نسبي. إلا أن هذا الأمل سرعان ما تبدد مع تصاعد نفوذ تنظيم “داعش ولاية خراسان” (داعش-خراسان)، الذي يعتبر المنافس الأيديولوجي والعدو اللدود لطالبان. يسعى داعش-خراسان إلى تقويض شرعية طالبان وقدرتها على توفير الأمن، مستهدفاً المدنيين والأقليات والمصالح الأجنبية لإثبات وجوده وزعزعة الاستقرار.
يمثل استهداف المصالح الصينية في أفغانستان نقطة حساسة للغاية. فبكين، التي تشترك في حدود قصيرة ولكن استراتيجية مع أفغانستان، تسعى لتعزيز نفوذها الاقتصادي والأمني في المنطقة، خاصة في إطار مبادرة الحزام والطريق. تستثمر الصين في مشاريع البنية التحتية وتطوير الموارد الطبيعية الأفغانية، كما أنها قلقة بشأن انتشار التطرف عبر حدودها. تستغل جماعات مثل داعش-خراسان هذا الاهتمام الصيني لاستهداف رعاياها ومصالحها، بهدف إحراج طالبان وإظهار عجزها عن حماية الاستثمارات الأجنبية، مما قد يدفع بكين لإعادة تقييم استراتيجيتها في البلاد.
لا يقتصر تأثير هذا الهجوم على كابول وحدها، بل يمتد ليشمل أبعاداً إقليمية ودولية. فاستمرار الهجمات الإرهابية في أفغانستان يثير قلق دول الجوار مثل باكستان وإيران ودول آسيا الوسطى، التي تخشى من امتداد عدم الاستقرار عبر حدودها. كما أنه يضع ضغطاً إضافياً على المجتمع الدولي الذي يراقب الوضع عن كثب، ويؤثر على جهود إعادة الإعمار والمساعدات الإنسانية. هذه الهجمات تعرقل مساعي طالبان للحصول على اعتراف دولي ورفع العقوبات، حيث أن توفير الأمن للمواطنين والأجانب على حد سواء هو شرط أساسي لأي تقارب.
تجد حركة طالبان نفسها في موقف حرج، حيث تسعى جاهدة لإظهار قدرتها على ضبط الأمن وجذب الاستثمارات الأجنبية في ظل تراجع المساعدات الدولية. وقد أكد المتحدث باسم شرطة كابول، خالد زدران، فتح تحقيق عاجل لكشف ملابسات الهجوم، في محاولة لطمأنة المستثمرين والمجتمع الدولي. ومع ذلك، فإن تكرار استهداف المصالح الصينية، كما حدث في عام 2022 عندما استهدف داعش فندقاً يرتاده سياح ورجال أعمال صينيون، يؤكد أن التحدي الأمني لا يزال قائماً ومعقداً، ويتطلب استراتيجية شاملة لمكافحة الإرهاب وضمان الاستقرار طويل الأمد في أفغانستان.


