تجددت الاتهامات الموجهة إلى زعيم حزب العمال البريطاني ورئيس الوزراء المحتمل، كير ستارمر، بشأن دوره في قضية قانونية محورية عام 2007، والتي أدت إلى إعادة فتح تحقيقات جنائية في وفيات عراقيين خلال حرب العراق. هذه التطورات، التي كشفت عنها صحيفة «التليغراف» البريطانية، تسلط الضوء على فترة حساسة في تاريخ بريطانيا وتثير تساؤلات حول مسؤولية القوات المسلحة في مناطق النزاع، وتأثيرها على المشهد السياسي الحالي.
خلفية حرب العراق وتداعياتها القانونية
لِفهم أبعاد هذه القضية، لا بد من استعراض السياق التاريخي لحرب العراق. ففي عام 2003، قادت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة تحالفاً لغزو العراق، بحجة امتلاك نظام صدام حسين لأسلحة دمار شامل، وهي المزاعم التي ثبت لاحقاً عدم صحتها. أدت الحرب إلى سقوط النظام، لكنها فتحت الباب أمام سنوات من الفوضى والتمرد، وخلفت تداعيات إنسانية وقانونية عميقة. خلال فترة الاحتلال، واجهت القوات البريطانية، مثلها مثل غيرها من القوات المتحالفة، اتهامات بانتهاكات لحقوق الإنسان وجرائم حرب، مما وضع بريطانيا أمام تحديات قانونية وأخلاقية كبيرة.
قضية “السكياني وآخرون” ودور ستارمر
في هذا السياق، برزت قضية “السكياني وآخرون ضد وزير الدولة للدفاع” (Al-Skeini and others v Secretary of State for Defence) كواحدة من أهم القضايا التي شكلت سابقة قانونية. في عام 2007، عمل كير ستارمر، الذي كان آنذاك محامياً بارزاً في مجال حقوق الإنسان، بشكل مجاني (pro bono) إلى جانب صديقه اللورد هيرمر. قدما مذكرة قانونية نيابة عن أهالي ستة عراقيين قُتلوا على يد قوات بريطانية في البصرة عام 2003. كان جوهر حجتهما يتمثل في أن الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان (ECHR) تنطبق على تصرفات القوات البريطانية حتى خارج أراضي المملكة المتحدة، وتحديداً في العراق. وقد جادلا بأن التحقيقات العسكرية السابقة في هذه الوفيات كانت “سطحية وغير مستقلة”، وطالبا بإعادة التحقيق، بما في ذلك حالة الرقيب ريتشي كاتيرال الذي أطلق النار على عراقي مسلح وتمت تبرئته مرتين سابقاً.
تأثير الحكم القضائي وتوسيع التحقيقات
كان لهذه المرافعة القانونية تأثير بالغ الأهمية. ففي عام 2011، أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان حكماً تاريخياً يلزم بريطانيا بإجراء تحقيقات مستقلة وفعالة في جميع الوفيات التي تسببت فيها قواتها في العراق. هذا الحكم لم يقتصر على قضية السكياني فحسب، بل فتح الباب أمام توسيع نطاق وحدة التحقيق في آلاف الادعاءات الأخرى. ومع أن الهدف الأساسي كان ضمان المساءلة والعدالة، إلا أن العملية شابها لاحقاً جدل كبير. فقد ارتبطت العديد من هذه الادعاءات بمكتب المحامي فيل شاينر، الذي أُقصي من المهنة لاحقاً وأدين بالاحتيال عام 2024 بسبب اختلاق أدلة ودفع وسطاء في العراق لجمع شهادات كاذبة. هذا الجانب المؤسف ألقى بظلاله على جهود المساءلة، مما أدى إلى سنوات من الملاحقات القضائية لجنود بريطانيين، كثير منهم تمت تبرئتهم لاحقاً، بتكلفة ضريبية هائلة على دافعي الضرائب البريطانيين.
ردود الفعل والتبعات السياسية
أثارت هذه القضية ردود فعل غاضبة، خاصة من الجنود الذين طوردوا لسنوات. أعرب الرقيب كاتيرال، الذي واجه الملاحقة لمدة 13 عاماً قبل تبرئته النهائية، عن إحباطه الشديد قائلاً لـ«التليغراف»: “أنا محبط جداً أن كير ستارمر ساعد في رفع هذه القضية ضدي… هو الآن رئيس الوزراء ويجب أن يعتذر لي”. كما اتهم الوزير السابق لشؤون المحاربين القدامى، جوني ميرسر، ستارمر بـ”إطلاق حملة مطاردة” ضد الجنود البريطانيين، مما يعكس الانقسام العميق حول هذه المسألة داخل الأوساط السياسية والعسكرية البريطانية. من جانبه، أكد “داونينغ ستريت” رداً على التقرير أن ستارمر لم يمثل أهالي العراقيين مباشرة، بل تدخل كـ”مساعد للمحكمة في نقاط قانونية” نيابة عن منظمات حقوقية مرموقة مثل منظمة العفو الدولية (Amnesty International) وليبرتي (Liberty)، مشدداً على أن دوره كان محايداً ويهدف إلى توضيح النقاط القانونية.
أهمية القضية وتأثيرها المستقبلي
تتجاوز أهمية هذه القضية مجرد اتهامات سياسية. فعلى الصعيد المحلي، تثير تساؤلات حول العلاقة بين القضاء والجيش، وحول كيفية تحقيق التوازن بين حماية الجنود وضمان المساءلة عن الانتهاكات. بالنسبة لكير ستارمر، الذي يتأهب لقيادة البلاد، فإن هذه الاتهامات تمثل تحدياً سياسياً كبيراً، حيث يحاول خصومه استغلالها للتشكيك في ولائه للقوات المسلحة البريطانية. على الصعيد الإقليمي والدولي، تعزز هذه القضية مبدأ المساءلة الدولية عن انتهاكات حقوق الإنسان في مناطق النزاع، وتؤكد على أهمية تطبيق القانون الدولي الإنساني. كما أنها تسلط الضوء على تعقيدات تطبيق الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان خارج الحدود الوطنية، وتأثيرها على العمليات العسكرية المستقبلية. إنها تذكير دائم بأن الحروب، حتى عندما تنتهي على أرض المعركة، غالباً ما تستمر تداعياتها في قاعات المحاكم وعلى صفحات التاريخ، مشكلةً إرثاً قانونياً وأخلاقياً يستمر في تشكيل النقاشات حول العدالة والمسؤولية.


