شهدت الساحة الاقتصادية السعودية حدثاً بارزاً تمثل في استقالة الأستاذ خالد بترجي من منصبه القيادي في مجموعة مستشفيات السعودي الألماني، وهي إحدى أبرز المجموعات الرائدة في قطاع الرعاية الصحية بالمملكة والمنطقة. جاءت هذه الاستقالة، وفقاً للتقارير، مدفوعة بقضايا تتعلق بتركُز السلطة، مما يفتح النقاش حول أهمية حوكمة الشركات وممارسات الشفافية في السوق السعودي.
تُعد مجموعة مستشفيات السعودي الألماني (شركة الشرق الأوسط للرعاية الصحية – “ميديكال”) من الشركات المدرجة في السوق المالية السعودية (تداول)، ولها تاريخ طويل في تقديم خدمات الرعاية الصحية عالية الجودة. تأسست المجموعة على يد عائلة بترجي، وقد نمت لتصبح شبكة واسعة من المستشفيات والعيادات في عدة مدن سعودية وخارجها. في الشركات العائلية الكبيرة التي تتحول إلى شركات مساهمة عامة، غالباً ما تبرز تحديات تتعلق بفصل الملكية عن الإدارة وتطبيق أفضل ممارسات الحوكمة لضمان حقوق جميع المساهمين، صغاراً وكباراً.
إن مفهوم “تركُز السلطة” يشير عادةً إلى تولي فرد واحد أو مجموعة صغيرة من الأفراد لمناصب إدارية وتنفيذية ومجلس إدارة رئيسية، مما قد يؤدي إلى ضعف الرقابة الداخلية وصعوبة اتخاذ قرارات مستقلة تصب في مصلحة الشركة ومساهميها ككل. في سياق حوكمة الشركات، يُنظر إلى تركُز السلطة على أنه عامل خطر قد يعيق الشفافية والمساءلة، ويؤثر سلباً على ثقة المستثمرين.
تولي هيئة السوق المالية السعودية (CMA) اهتماماً بالغاً بتعزيز مبادئ حوكمة الشركات في الشركات المدرجة، وذلك من خلال إصدار لوائح وقواعد تهدف إلى ضمان استقلالية مجالس الإدارة، وتحديد صلاحيات الإدارة التنفيذية، وتعزيز دور لجان المراجعة والمخاطر. هذه الجهود تأتي في إطار رؤية المملكة 2030، التي تسعى إلى تطوير سوق مالي متقدم وجذاب للاستثمار المحلي والأجنبي، يقوم على أسس متينة من الشفافية والعدالة.
الأهمية والتأثير المتوقع:
لاستقالة شخصية بحجم خالد بترجي من مجموعة رائدة مثل السعودي الألماني، لأسباب تتعلق بالحوكمة، تداعيات مهمة على عدة مستويات:
- على المستوى المحلي: تُعد هذه الخطوة بمثابة رسالة قوية للشركات المدرجة الأخرى في السوق السعودي بضرورة الالتزام الصارم بمعايير الحوكمة. إنها تؤكد أن هيئة السوق المالية جادة في تطبيق لوائحها، وأن قضايا تركُز السلطة لن يتم التهاون معها. من المتوقع أن تدفع هذه الحادثة الشركات الأخرى إلى مراجعة هياكلها الإدارية ومجالس إدارتها لضمان الامتثال الكامل، مما يعزز من بيئة الأعمال الشفافة والجاذبة للاستثمار. كما قد تؤثر على ثقة المستثمرين في الشركة المعنية على المدى القصير، ولكنها على المدى الطويل تعزز الثقة في السوق ككل.
- على المستوى الإقليمي والدولي: تعكس هذه الحادثة التزام المملكة العربية السعودية بتعزيز بيئة استثمارية تتوافق مع أفضل الممارسات العالمية. في ظل سعي المملكة لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتنويع مصادر دخلها، فإن تطبيق معايير حوكمة صارمة يُعد أمراً حيوياً. إن مثل هذه الأحداث، التي تُظهر جدية الجهات التنظيمية في معالجة قضايا الحوكمة، تبعث برسالة إيجابية للمستثمرين الدوليين بأن السوق السعودي سوق ناضج وموثوق، يحمي حقوق المساهمين ويضمن الشفافية والمساءلة. هذا يعزز من مكانة المملكة كمركز مالي إقليمي ودولي.
في الختام، تُبرز استقالة خالد بترجي من مجموعة السعودي الألماني أهمية الحوكمة الرشيدة كركيزة أساسية لنمو واستدامة الشركات، وكمحرك رئيسي لتعزيز ثقة المستثمرين في الأسواق المالية. إنها خطوة تعكس التطور المستمر للسوق السعودي نحو مزيد من الشفافية والاحترافية، بما يتماشى مع الأهداف الطموحة لرؤية المملكة 2030.


