في تصعيد جديد للخطاب العدائي بين طهران وواشنطن، اتهم المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية، آية الله علي خامنئي، الرئيس الأمريكي آنذاك دونالد ترامب، بوضوح وصراحة، بأنه «مجرم» ومسؤول مباشر عن إثارة الفتنة والاضطرابات الداخلية التي شهدتها إيران، وعن سقوط الضحايا والأضرار المادية وتشويه سمعة الإيرانيين خلال الاحتجاجات. هذه الاتهامات الصارخة، التي جاءت بعد فترة وجيزة من هدوء نسبي في التوتر العسكري الذي أعقب اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني والرد الإيراني، تعزز من احتمالات عودة التصعيد الدبلوماسي والعسكري في منطقة الشرق الأوسط المتوترة أصلاً.
تأتي هذه التصريحات في سياق تاريخي معقد من العداء المتبادل بين الولايات المتحدة وإيران، والذي يعود إلى الثورة الإيرانية عام 1979. العلاقات بين البلدين شهدت تقلبات حادة، لكنها وصلت إلى ذروة جديدة من التوتر بعد انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق النووي الإيراني (خطّة العمل الشاملة المشتركة) عام 2018، وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية القاسية ضمن حملة “الضغط الأقصى”. هذه الحملة أدت إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية في إيران، مما فجر موجات من الاحتجاجات الشعبية التي بدأت لأسباب اقتصادية واجتماعية.
وقد أوضح المرشد الإيراني أن الولايات المتحدة الأمريكية تدعم الفتنة في بلاده، معتبراً ذلك مقدمة لعمل أكبر كانت واشنطن تريد تنفيذه، وهدفها النهائي هو “ابتلاع إيران”. هذه الرؤية تعكس قناعة راسخة لدى القيادة الإيرانية بأن الولايات المتحدة تسعى لتغيير النظام في طهران، وأنها تستغل أي اضطرابات داخلية لتحقيق هذا الهدف. وقد تصاعدت حدة هذه الاحتجاجات بشكل كبير بعد حادثة إسقاط الطائرة الأوكرانية عن طريق الخطأ من قبل الدفاعات الجوية الإيرانية، وما تبعها من اتهامات للحكومة بالتستر على الحقيقة، مما أثار غضباً شعبياً واسعاً وحول الاحتجاجات من مطالب اقتصادية إلى انتقادات مباشرة للنظام.
في خطابه، لم يتردد خامنئي في توجيه أصابع الاتهام مباشرة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قائلاً: «الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حرض على الفتنة وقدم هو والكيان الصهيوني الدعم لها». وأضاف أن «المخابرات الأمريكية والصهيونية قامتا بتدريب قيادات مثيري الشغب في الخارج»، مشيراً إلى أن ترامب يقف وراء الخسائر والأضرار وتشويه سمعة الإيرانيين. وادعى خامنئي أنه تم «اعتقال عدد كبير من متزعمي وقادة أعمال الشغب والتخريب»، متهماً المحتجين بإحراق 250 مسجداً وتخريب البنوك والمحلات وقتل الآلاف، ومعتبراً أن الإعلام الصهيوني هو من ضخم أعمال الشغب.
هذه الاتهامات ليست مجرد رد فعل على أحداث داخلية، بل هي جزء من استراتيجية أوسع للقيادة الإيرانية لتصوير أي معارضة داخلية على أنها مدفوعة وممولة من قوى خارجية معادية، بهدف نزع الشرعية عن المطالب الشعبية وتبرير القمع. إن ربط الاحتجاجات بـ”الكيان الصهيوني” يعزز أيضاً الرواية الرسمية التي ترى في إسرائيل عدواً رئيسياً يسعى لزعزعة استقرار المنطقة.
وشدد المرشد الإيراني على أنه لا يكفي إحباط الفتنة، بل ينبغي تحميل الولايات المتحدة المسؤولية الكاملة عنها، مشيداً بالقوى الأمنية، بما فيها الحرس الثوري وقوات التعبئة (الباسيج)، التي قدمت تضحيات هائلة وأحبطت ما وصفها بـ«الفتنة». ودعا خامنئي الإيرانيين إلى تعزيز الوحدة الوطنية، محذراً من السماح بالإساءة لرئيس الجمهورية أو أي مسؤول آخر في هذه الظروف الحساسة. وأكد: «لن نجر البلاد إلى حرب لكننا لن ندع المجرمين المحليين أو الدوليين يفلتون من العقاب ولن نترك مثيري الشغب في الداخل، والأسوأ هم من بالخارج».
تأثير هذه التصريحات يتجاوز الحدود الإيرانية. فعلى الصعيد الإقليمي، تزيد هذه الاتهامات من حدة التوتر في منطقة الخليج، حيث تتنافس القوى الإقليمية وتتصارع على النفوذ، مما قد يؤدي إلى مزيد من التصعيد في الصراعات بالوكالة. دول المنطقة، التي تراقب عن كثب التطورات الإيرانية، قد تجد نفسها مضطرة لاتخاذ مواقف أكثر حزماً، مما يهدد الاستقرار الهش للمنطقة بأسرها. دول مثل السعودية والإمارات، التي تعتبر إيران تهديداً لأمنها، ستنظر إلى هذه التصريحات كدليل إضافي على النوايا العدائية لطهران.
وعلى الصعيد الدولي، فإن هذه التصريحات تعقد أي جهود دبلوماسية محتملة لتهدئة التوترات بين واشنطن وطهران، خاصة فيما يتعلق بالاتفاق النووي. فبينما كانت بعض الدول الأوروبية تسعى للحفاظ على الاتفاق وتخفيف حدة التوتر، فإن هذا الخطاب المتشدد من قبل خامنئي يقلل من فرص أي انفراجة قريبة. كما أن اتهامات خامنئي لترامب تأتي في أعقاب تهديدات سابقة من الرئيس الأمريكي بعمل عسكري للرد على قمع المتظاهرين، حيث قال ترامب قبل أيام «المساعدة في الطريق» للمتظاهرين، قبل أن يخفف لهجته لاحقاً بالإشارة إلى إلغاء إيران لإعدام أكثر من 800 شخص، وهو ما لم يوضح ترامب مصدر معلوماته بشأنه. هذا التباين في المواقف والاتهامات المتبادلة يجعل من الصعب التنبؤ بمسار العلاقات بين البلدين، ويزيد من مخاطر سوء التقدير التي قد تؤدي إلى عواقب وخيمة على السلم والأمن الدوليين.


