يُعد كتاب «روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام وتعداد غزوات ذوي الإسلام»، المعروف اختصارًا بـ «تاريخ ابن غنام»، أحد أهم المراجع التاريخية التي وثّقت نشأة الدولة السعودية الأولى وتاريخ الدعوة السلفية. ألفه المؤرخ حسين بن غنام (توفي 1223هـ / 1808م)، الذي عاصر أحداث تلك الفترة الحاسمة، مما يجعل عمله مصدرًا أصيلًا لا يُقدر بثمن لفهم التحولات السياسية والدينية والاجتماعية التي شهدتها الجزيرة العربية في القرن الثامن عشر الميلادي. ففي زمن كانت فيه المصادر التاريخية شحيحة، برز هذا الكتاب كمرآة تعكس تفاصيل دقيقة عن تأسيس الدولة وتوسعها، ودور الأئمة والدعاة في تشكيل هويتها.
على الرغم من الأهمية المحورية التي يُجمع عليها كل مهتم بتاريخ الدولة السعودية، إلا أن هذا السِفر التاريخي لم يحظ بالعناية الكاملة التي يستحقها منذ تأليفه. لكن بفضل الرؤية الثاقبة للملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -رحمه الله-، مؤسس المملكة العربية السعودية الحديثة، أُعيد اكتشاف قيمته. أدرك الملك عبدالعزيز، في خضم جهوده لتوحيد البلاد وبناء الدولة، أهمية توثيق التاريخ الوطني والحفاظ على الهوية، فأوعز بنشر الكتاب في طبعته الأولى بالهند عام 1337هـ (الموافق 1918-1919م). لم يكن هذا القرار مجرد مبادرة ثقافية، بل كان جزءًا لا يتجزأ من مشروعه الوطني لترسيخ أسس الدولة الجديدة وتأكيد عمقها التاريخي، مما يبرز اهتمامه البالغ بالتراث الفكري والتاريخي للمنطقة.
ظلت تلك الطبعة الحجرية القديمة هي المتاحة لفترة طويلة، دون أن ينال الكتاب تحقيقًا علميًا يليق بمكانته وأهميته. وقد توالت محاولات وجهود فردية ومؤسسية لإعادة إحياء هذا الكنز التاريخي. فمن تجربة شخصية لكاتب المقال في مكتبة الملك فهد الوطنية بين عامي 1423هـ و1424هـ لنشر نسخة مصورة وملونة، والتي توقفت لظروف خارجة عن الإرادة، إلى نية المرحوم منصور الرشيد، ثم تكليف جهة حكومية للدكتور عبدالله الصالح العثيمين بالعمل عليه. كل هذه الجهود كانت تعكس إدراكًا لأهمية الكتاب، لكنها لم تكتمل بالشكل المأمول.
إلى أن أخذ الباحث الحصيف الدكتور تركي بن فهد بن عبدالله بن عبدالرحمن آل سعود على عاتقه مهمة إخراج الكتاب مُحققًا تحقيقًا علميًا رصينًا. فقد جمع الدكتور تركي أكثر من 13 نسخة خطية للكتاب، وانتقى منها ما يُفيد الأصل ويُسهم في الوصول إلى النسخة الأقرب لما أراده المؤلف -رحمه الله-. وقد اتبع المحقق منهجًا علميًا دقيقًا، حيث قسّم عمله إلى تعريف شامل بالكتاب ومصادر المؤلف، وتناول عنوان الكتاب ونسخه، وأثبت نسبته إلى مؤلفه. كما ناقش سنة تأليف الكتاب وتاريخ آخر حدث فيه، واستعرض الطبعات السابقة والنسخ الخطية التي اطلع عليها، مستفيدًا من جميع النسخ لترجيح القراءة الصحيحة وإيراد الاختلافات في الحاشية، وهو ما يُعرف بـ «النص المختار»، ليقدم بذلك عملًا مرجعيًا لا غنى عنه.
يؤرخ ابن غنام لأحداث تاريخية غاية في الأهمية، موثقًا تأسيس الدولة السعودية الأولى وتاريخ الدعوة السلفية بأسلوب حولي دقيق، وقد قسّم المؤلف كتابه إلى جزءين، وتضمن نقلًا كاملًا لبعض الكتب الأخرى ضمن سياق عمله. ولو لم يتصدَّ ابن غنام لتوثيق هذه الأحداث، لربما اندثرت تفاصيلها الدقيقة أو تشوهت مع مرور الزمن، مما يؤكد الدور المحوري لعمله في حفظ الذاكرة التاريخية للمنطقة.
إن نشر هذه النسخة المحققة من «تاريخ ابن غنام» يحمل أهمية بالغة على عدة مستويات. محليًا، يُعزز هذا العمل الفهم العميق لتاريخ المملكة العربية السعودية وجذورها، ويُسهم في ترسيخ الهوية الوطنية لدى الأجيال الجديدة، ويوفر للباحثين والطلاب مصدرًا موثوقًا لدراسة فترة التأسيس. إقليميًا ودوليًا، يُقدم الكتاب المحقق مادة علمية أساسية للدارسين والمهتمين بتاريخ الجزيرة العربية، والحركات الإصلاحية الإسلامية، ونشأة الدول في المنطقة. فهو يُتيح للباحثين حول العالم فرصة للاطلاع على مصدر أصلي يُلقي الضوء على حقبة مفصلية، مما يُسهم في إثراء النقاش الأكاديمي وتصحيح المفاهيم التاريخية، ويُعزز مكانة التراث الفكري السعودي على الساحة العالمية. لعل هذه النسخة المحققة تسد نقصًا كبيرًا، وتُرضي وتُشبع نهم المهتمين بتاريخ السعودية والدعوة السلفية، وتُشكل إضافة نوعية للمكتبة العربية والعالمية.


