spot_img

ذات صلة

الملك يوجه بإعادة هيكلة الجيش الأردني لمواجهة حروب المستقبل

في خطوة استراتيجية تعكس رؤية ثاقبة لمستقبل الأمن الوطني والإقليمي، وجّه العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، القائد الأعلى للقوات المسلحة، السبت، بإعادة هيكلة شاملة للقوات المسلحة الأردنية. تهدف هذه التوجيهات إلى وضع استراتيجية واضحة وخارطة طريق تنفيذية تُفضي إلى تحول بنيوي عميق في بنية الجيش خلال السنوات الثلاث القادمة، بما يعزز جاهزيته لمواجهة التحديات الأمنية المتسارعة، ويضمن قدرته على خوض حروب المستقبل بكفاءة واقتدار.

جاء هذا التوجيه الملكي الهام في رسالة رسمية بعث بها الملك إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة اللواء الركن يوسف أحمد الحنيطي، ونشرها الديوان الملكي الأردني. أكد الملك في رسالته اعتزازه العميق بجهود منتسبي القوات المسلحة الأردنية من ضباط وضباط صف وأفراد، وما يقدمونه من تضحيات جسام في حماية أمن الوطن، والدفاع عن حدوده، وصون مقدراته ومكتسباته الوطنية.

السياق التاريخي والجغرافي لأهمية الجيش الأردني:

لطالما لعب الجيش العربي الأردني، الذي تأسس في عشرينيات القرن الماضي تحت اسم “القوة السيارة” وتطور ليصبح “الجيش العربي”، دوراً محورياً في حماية المملكة الأردنية الهاشمية. نشأ الأردن في منطقة مضطربة، مما فرض عليه منذ البداية ضرورة بناء قوة عسكرية قادرة على الدفاع عن سيادته ومصالحه. عبر عقود من الزمن، خاض الجيش الأردني معارك تاريخية وأثبت كفاءته وشجاعته، ليصبح ركيزة أساسية للأمن والاستقرار في المنطقة. إن موقع الأردن الجغرافي الاستراتيجي، المحاط بمناطق تشهد صراعات وتوترات، يجعل من تحديث وتطوير قواته المسلحة ضرورة حتمية لا غنى عنها للحفاظ على أمنه واستقراره في وجه التهديدات المتغيرة.

رؤية ملكية لمواجهة التحديات الأمنية المعاصرة:

شدد الملك عبدالله الثاني على أن الجيش سيبقى مؤسسة وطنية راسخة تحظى بثقة الأردنيين جميعاً، مؤكداً على أهمية تطوير قدراته وإمكانياته بشكل مستدام. دعا جلالته إلى تحديث الهيكل التنظيمي بما يواكب متطلبات بيئات العمليات المختلفة، ويضمن إتقان أساليب الحرب الحديثة، بما في ذلك الحروب الهجينة وغير التقليدية التي تجمع بين الأساليب العسكرية التقليدية وغير التقليدية، وتستهدف البنى التحتية الحيوية والمجتمعات المدنية.

وأكد جلالته ضرورة بناء قوات مسلحة رشيقة ومرنة وعالية الكفاءة، تعتمد عقيدة قتالية دقيقة وقابلة للتطبيق على أرض الواقع، وتوظف القدرات الدفاعية والهجومية بصورة فاعلة ومتكاملة. كما شدد على أهمية تطوير منظومات التدريب والتسليح بما يخدم الخطط العملياتية والتعبوية، ويعزز الردع الاستراتيجي للأردن، ويضمن قدرته على حماية مصالحه الوطنية العليا.

الاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة والدفاع السيبراني:

في إطار مواكبة التطورات العسكرية العالمية، دعا الملك عبدالله إلى الاستثمار المكثف في التقنيات المتقدمة، وفي مقدمتها الأنظمة المسيرة (الطائرات بدون طيار والمركبات ذاتية القيادة) والذكاء الاصطناعي، التي أصبحت تشكل عنصراً حاسماً في الحروب الحديثة. ومنح جلالته أولوية خاصة لمجالي الدفاع السيبراني والهجوم السيبراني، باعتبارهما من ساحات الصراع الحديثة التي لا تقل أهمية عن ساحات القتال التقليدية، حيث تستهدف الهجمات السيبرانية البنى التحتية الحيوية والأنظمة الحكومية والعسكرية. كما أكد على ضرورة بناء منظومات قيادة وسيطرة واتصالات آمنة وموثوقة، قادرة على حماية مراكز الثقل الاستراتيجية والعملياتية للدولة.

تعزيز القدرات اللوجستية والتكامل الأمني:

لم يغفل التوجيه الملكي أهمية تطوير منظومة الاحتياط العسكري، التي تشكل عمقاً استراتيجياً للقوات المسلحة، وتعزيز الإسناد اللوجستي لضمان استدامة العمليات وانسيابية الإمداد في مختلف الظروف. إضافة إلى ذلك، شدد جلالته على دراسة التكامل الأمثل بين القوات المسلحة ووحدات حرس الحدود والدرك والشرطة الخاصة ضمن الخطط التعبوية، لضمان استجابة أمنية موحدة وفعالة في مواجهة أي تهديدات داخلية أو خارجية.

توطين الصناعات الدفاعية والحوكمة:

وفي إطار تعزيز الاعتماد على الذات وتوطين الخبرات، وجّه العاهل الأردني بإعادة توجيه دور المركز الأردني للتصميم والتطوير (JODDB)، وتعزيز إمكانياته ليكون نواة وطنية للبحث والتطوير وتصنيع التكنولوجيا الدفاعية المتقدمة وفق أحدث المعايير العالمية. يهدف هذا التوجه إلى تلبية الاحتياجات الوطنية من المعدات والتقنيات العسكرية، ومواكبة التطورات الدولية في هذا المجال، مما يسهم في خلق فرص عمل وتعزيز الاقتصاد الوطني.

وأكد الملك أن الاستراتيجية المرتقبة يجب أن تتضمن أيضاً إعادة هيكلة الصناديق والشركات الاستثمارية التابعة للقوات المسلحة، وفق أعلى معايير الحوكمة والإدارة المهنية والشفافية، بما يضمن الكفاءة والاستدامة لهذه الكيانات، ويعزز دورها في دعم القوات المسلحة والاقتصاد الوطني.

الأهمية والتأثير المتوقع:

إن هذه التوجيهات الملكية تحمل أهمية قصوى على عدة مستويات. محلياً، ستعزز من قدرة الأردن على حماية أمنه واستقراره، وتوفير بيئة جاذبة للاستثمار، وتطمئن المواطنين على مستقبل بلادهم. إقليمياً، يؤكد الأردن من خلال هذه الخطوة دوره كركيزة للاستقرار في منطقة ملتهبة، وشريك موثوق في جهود مكافحة الإرهاب والتطرف، مما يعزز من مكانته الدبلوماسية والعسكرية. دولياً، تعكس هذه الاستراتيجية التزام الأردن بتحديث قدراته الدفاعية بما يتوافق مع المعايير الدولية، مما يعزز من شراكاته الاستراتيجية مع الدول الكبرى والمنظمات الدولية، ويسهم في الأمن والسلم العالميين. هذا التحول النوعي سيضمن بقاء الجيش الأردني في طليعة الجيوش الحديثة، جاهزاً للدفاع عن الوطن وحماية أمنه واستقراره في عالم متغير.

وفي ختام الرسالة، أعرب الملك عبدالله الثاني عن ثقته الكاملة بقيادة القوات المسلحة وقدرتها على إنجاز هذا التحول النوعي، مؤكداً دعمه الكامل لجهود التطوير والتحديث، ليبقى الجيش الأردني درع الوطن وسيفه، وحصنه المنيع في وجه التحديات.

spot_imgspot_img