في إنجاز بيئي بارز يؤكد مكانة المملكة العربية السعودية كمركز حيوي للتنوع البيولوجي، أعلنت هيئة تطوير محمية الملك سلمان بن عبدالعزيز الملكية عن رصد تاريخي لأكثر من 2850 طائرًا جارحًا نادرًا خلال رحلتها الشتوية داخل نطاق المحمية. هذا الاكتشاف يؤكد الدور المحوري للمحمية كوجهة أساسية للأنواع المهددة بالانقراض، ويعكس التزام المملكة الراسخ بحماية الحياة الفطرية وتعزيز الاستدامة البيئية.
تُعد محمية الملك سلمان بن عبدالعزيز الملكية، التي تأسست بموجب أمر ملكي، جزءًا لا يتجزأ من رؤية المملكة 2030 الطموحة، والتي تهدف إلى حماية البيئة الطبيعية الغنية للمملكة وتنميتها. تمتد المحمية على مساحات شاسعة، وتضم أنظمة بيئية متنوعة من الصحاري والجبال والأودية، مما يوفر موائل مثالية لمجموعة واسعة من الكائنات الحية، وخاصة الطيور المهاجرة. تقع المملكة العربية السعودية على أحد أهم مسارات هجرة الطيور العالمية، حيث تربط بين مناطق التكاثر في أوروبا وآسيا ومناطق التشتية في أفريقيا، مما يجعل محمياتها نقاط توقف حيوية لهذه الرحلات الطويلة.
جاء هذا الرصد ضمن فعاليات البرنامج الوطني لرصد أعداد ومواقع تشتية طائر عقاب السهول، وهو جهد تعاوني وطني ودولي يجمع بين هيئة تطوير محمية الملك سلمان الملكية، وجمعية حماية الطيور السعودية، والمركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية، وشركة تلاد، ومنظمة بيردلايف إنترناشونال (BirdLife International). يهدف هذا البرنامج الطموح إلى توثيق أعداد ومواقع تشتية هذا النوع المهدد بالانقراض عالميًا على مستوى المملكة، وتوفير بيانات حيوية لاتخاذ قرارات حماية مستنيرة.
انطلقت أعمال المسوحات المتزامنة على مستوى المملكة خلال الفترة من 16 إلى 26 يناير الماضي، لضمان دقة النتائج وتجنب تكرار احتساب الأفراد بين المواقع المختلفة. وقد نُفذت عمليات الرصد بدقة واحترافية خلال فترات الصباح الباكر وما بعد العصر، وهي الأوقات الأنسب لمتابعة نشاط الطيور الجارحة وتوثيق وجودها.
خلال تنفيذ البرنامج داخل نطاق المحمية، رصدت الفرق الميدانية أعدادًا مذهلة، حيث تجاوز عدد أفراد عقاب السهول (Steppe Eagle)، المصنف ضمن الأنواع المهددة بالانقراض عالميًا وفقًا للقائمة الحمراء للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN Red List)، 1600 فرد. بالإضافة إلى ذلك، تم تسجيل أكثر من 1200 فرد من طائر الحداءة السوداء (Black Kite)، و35 فردًا من النسر الأسود (Cinereous Vulture)، و25 فردًا من العقاب الملكي الشرقي (Eastern Imperial Eagle). هذه الأرقام تعكس الأهمية البيئية الاستثنائية لمواقع المحمية بوصفها مناطق تجمع رئيسة لهذه الطيور الجارحة الحيوية.
تُبرز هذه النتائج الأهمية المتزايدة للمحمية على الصعيدين المحلي والدولي. محليًا، تعزز هذه الجهود مكانة المملكة كقائد إقليمي في مجال الحفاظ على البيئة، وتساهم في تحقيق أهداف رؤية 2030 المتعلقة بالاستدامة البيئية وتنمية السياحة البيئية. إقليميًا، توفر المحمية ملاذًا آمنًا للطيور المهاجرة التي تعبر الحدود، مما يدعم جهود الحفاظ على التنوع البيولوجي في منطقة الشرق الأوسط. دوليًا، يمثل رصد هذه الأعداد الكبيرة من الأنواع المهددة بالانقراض مساهمة قيمة في الجهود العالمية لحماية التنوع البيولوجي ومكافحة فقدان الأنواع، خاصة وأن عقاب السهول يواجه تحديات كبيرة في مناطق أخرى من العالم.
في إطار التزامها بحماية هذه الطيور الثمينة، اتخذت المحمية خطوات استباقية للحد من أخطار التكهرب، وهو أحد التهديدات الرئيسية التي تواجه الطيور الجارحة الكبيرة. فخلال عام 2024، وبالتعاون مع المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية، جرى عزل أبراج وخطوط نقل الطاقة ذات الجهد المتوسط المحيطة داخل نطاق المحمية. وقد أظهر المسح الحالي كفاءة عالية لهذه الإجراءات، حيث لم تُسجّل أي حالات نفوق للطيور أسفل هذه الخطوط، مما يؤكد فاعلية التدابير المتخذة في حماية الطيور الجارحة المهددة وتعزيز سلامة موائلها الطبيعية. هذه المبادرات تعكس نهجًا شموليًا للحفاظ على البيئة، لا يقتصر على المراقبة فحسب، بل يمتد ليشمل التدخلات الوقائية المباشرة.
تجدر الإشارة إلى أن محمية الملك سلمان الملكية تضم خمس مناطق معلنة بوصفها مناطق مهمة عالميًا للطيور (IBAs) ومنطقة رئيسية للتنوع البيولوجي (KBA)، وهي تصنيفات معترف بها عالميًا وفق المعايير الخاصة بالطيور. وتشكل الطيور المهاجرة نحو 88% من إجمالي الأنواع المسجلة في المحمية، في حين تمثل الطيور المقيمة 12%. هذه الأرقام تؤكد الأهمية البيئية القصوى للمحمية كمركز حيوي للطيور، وتبرز الحاجة المستمرة لجهود الحماية والمراقبة لضمان استمرارية هذه الموائل الثمينة للأجيال القادمة.


