spot_img

ذات صلة

الكرملين والشرع: محادثات مصيرية حول سورية والوجود الروسي

في تطور دبلوماسي لافت، رفض المتحدث باسم الرئاسة الروسية، دميتري بيسكوف، التعليق على التقارير المتداولة بشأن مفاوضات مزعومة بين السلطات السورية الجديدة وموسكو حول تسليم الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد. وأكد بيسكوف أن هذا الملف يقع خارج نطاق التصريحات الرسمية للكرملين، مصرحاً بوضوح: «لن نعلق على موضوع الأسد بأي شكل من الأشكال». يأتي هذا الرفض في سياق زيارة مهمة يقوم بها الرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو، حيث التقى نظيره الروسي فلاديمير بوتين لمناقشة قضايا حيوية تتعلق بمستقبل العلاقات الثنائية والوضع الإقليمي.

تُعد هذه الزيارة، التي وصل فيها الرئيس الشرع إلى العاصمة الروسية اليوم (الأربعاء)، مؤشراً قوياً على استمرارية وتطور العلاقات بين البلدين بعد “تغيير النظام” في دمشق. وقد أكد الكرملين أن العلاقات مع سورية تشهد تطوراً فعالاً، مشيراً إلى أن المباحثات بين بوتين والشرع ستركز على محاور رئيسية تشمل مستقبل القوات الروسية المتمركزة في سورية، سبل تعزيز التعاون الاقتصادي، وتقييم الأوضاع الراهنة في المنطقة. وفي بيان سابق، أوضح الكرملين أن الجانبين يعتزمان مناقشة آفاق تطوير العلاقات الثنائية في مختلف المجالات، بالإضافة إلى التطورات في الشرق الأوسط.

السياق التاريخي والاستراتيجي للعلاقات الروسية-السورية

تضرب العلاقات الروسية-السورية بجذورها عميقاً في التاريخ، وتحديداً منذ الحقبة السوفيتية، حيث كانت سورية حليفاً استراتيجياً رئيسياً لموسكو في الشرق الأوسط. وقد تعزز هذا التحالف بشكل كبير مع اندلاع الأزمة السورية في عام 2011، وبلغ ذروته بالتدخل العسكري الروسي المباشر في عام 2015 لدعم الحكومة السورية آنذاك. هذا التدخل كان حاسماً في تغيير مسار الصراع، ومنع انهيار الدولة السورية، وترسيخ الوجود العسكري الروسي الدائم في المنطقة. لطالما اعتبرت روسيا سورية نقطة ارتكاز حيوية لمصالحها الجيوسياسية في البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط، مما يفسر استثمارها الكبير في استقرار هذا البلد، بغض النظر عن القيادة السياسية.

الوجود العسكري الروسي: محور المباحثات

يتصدر ملف الوجود العسكري الروسي في سورية وإعادة تنظيمه جدول أعمال المباحثات السياسية بين دمشق وموسكو. وتكتسب قاعدتا حميميم الجوية في اللاذقية وطرطوس البحرية على الساحل السوري أهمية استراتيجية قصوى لروسيا، فهما تمثلان الموقعين العسكريين الدائمين الوحيدين لها خارج نطاق الاتحاد السوفييتي السابق. وتوفر هاتان القاعدتان لروسيا قدرة على إبراز قوتها في منطقة حيوية، وتأمين مصالحها الأمنية، والمشاركة بفاعلية في مكافحة الإرهاب. وفي سياق متصل، كانت روسيا قد أخلت، يوم الاثنين الماضي، قاعدة عسكرية لها في مدينة القامشلي بمحافظة الحسكة شمال شرقي سورية، والتي كانت متمركزة فيها منذ عام 2016. قد يشير هذا التحرك إلى إعادة تقييم أو إعادة تموضع للقوات الروسية بما يتناسب مع الأولويات الجديدة للجانبين.

التعاون الاقتصادي ومستقبل سورية

إلى جانب الملف العسكري، يمثل التعاون الاقتصادي ركيزة أساسية في المحادثات. فبعد سنوات من الصراع، تواجه سورية تحديات هائلة في إعادة الإعمار والبناء. وتطمح روسيا، من جانبها، إلى لعب دور محوري في هذه العملية، لا سيما في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والتجارة. هذا التعاون لا يخدم فقط المصالح الروسية في الحصول على فرص استثمارية، بل يوفر أيضاً لسورية شرياناً حيوياً للدعم الاقتصادي اللازم لاستعادة عافيتها. إن مناقشة الوضع الراهن في الشرق الأوسط تعكس أيضاً اهتمام الطرفين بتنسيق المواقف تجاه التحديات الإقليمية المشتركة، بما في ذلك جهود مكافحة الإرهاب والتعامل مع التوترات الجيوسياسية.

نبرة تصالحية وترحيب روسي

تُعد زيارة الشرع الحالية إلى موسكو امتداداً لمسار التقارب بين الجانبين، إذ سبق أن زار العاصمة الروسية في أكتوبر 2025 والتقى بوتين في الكرملين. ومنذ الإطاحة بالرئيس السابق بشار الأسد، تبنت دمشق بقيادة أحمد الشرع لهجة تصالحية تجاه موسكو، تُرجمت بزيارات متبادلة وترحيب روسي لافت بالرئيس السوري الجديد. هذا الترحيب الحار من الرئيس بوتين، بعد أسابيع قليلة من سقوط الأسد، يؤكد رغبة روسيا في الحفاظ على نفوذها وعلاقاتها الاستراتيجية مع سورية، بغض النظر عن التغيرات الداخلية. وتعتبر القاعدتان الروسيتان الرئيسيتان في سورية، موضوعاً حاضراً في الجدل السياسي بالبلدين، مما يؤكد أهميتهما القصوى.

تأثيرات الزيارة على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي

تكتسب هذه المباحثات أهمية بالغة على عدة مستويات. محلياً في سورية، قد تحدد نتائجها مسار إعادة الإعمار، والاستقرار الأمني، ومستقبل السيادة السورية في ظل الوجود الروسي. إقليمياً، تعزز الزيارة من دور روسيا كلاعب رئيسي في الشرق الأوسط، وتؤثر على ديناميكيات القوى الإقليمية، لا سيما في ظل التوترات المستمرة مع قوى أخرى مثل تركيا. دولياً، تبعث هذه اللقاءات برسالة واضحة حول تصميم روسيا على حماية مصالحها الاستراتيجية في سورية، وتحديها للضغوط الغربية، مما قد يؤثر على الجهود الدولية لإيجاد حل سياسي شامل للأزمة السورية. وقبل زيارة الشرع الثانية، أكدت الخارجية الروسية احترام سيادة سورية ووحدة أراضيها في إطار تعليقها على التطورات في شمال وشرق سورية والمواجهة مع قوات سورية الديمقراطية «قسد»، وهو ما يعكس حرص موسكو على تأكيد شرعية علاقاتها مع القيادة السورية الجديدة.

spot_imgspot_img