أعلن المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، أن روسيا لا ترى أي جدوى من مشاركة الدول الأوروبية في أي مفاوضات محتملة تهدف إلى إنهاء الحرب في أوكرانيا، معتبراً أن مواقفها الحالية تجعلها طرفاً في النزاع وليست وسيطاً نزيهاً.
وفي تصريحات صحفية، قال بيسكوف: «لا يمكن للأوروبيين المساهمة في المفاوضات في ظل مواقفهم الحالية»، مشيراً إلى أن العديد من العواصم الأوروبية، بحسب وكالة «تاس» الروسية، تساهم بشكل أكبر في استمرار الحرب بدلاً من تعزيز عملية السلام. وأكد أن مشاركة أوروبا في عملية التفاوض الخاصة بأوكرانيا لن تكون مفيدة، حيث يرى الكرملين أن الدول الأوروبية طرف مباشر في النزاع بسبب دعمها العسكري والمالي الواسع لكييف، وفرضها حزماً متتالية من العقوبات على موسكو.
السياق العام والخلفية التاريخية
يأتي هذا الموقف الروسي في سياق حرب مستمرة منذ فبراير 2022، والتي شكلت أكبر صراع عسكري في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية. وقد سبقت الحرب محاولات دبلوماسية عديدة فشلت في نزع فتيل الأزمة، أبرزها اتفاقيات مينسك (2014 و2015) التي كانت تهدف إلى تسوية النزاع في إقليم دونباس شرق أوكرانيا، ولعبت فيها ألمانيا وفرنسا دور الوسيط الرئيسي. إلا أن روسيا تعتبر أن تلك الاتفاقيات لم تُنفذ من قبل أوكرانيا والغرب، مما أدى إلى تآكل الثقة في الوساطة الأوروبية من وجهة نظرها. وبعد اندلاع الحرب، جرت جولات تفاوض أولية في بيلاروسيا ثم في تركيا خلال الأسابيع الأولى، لكنها انهارت دون تحقيق أي تقدم جوهري، خاصة بعد تعقد الموقف الميداني وتبادل الاتهامات بين الطرفين.
أهمية الموقف الروسي وتأثيره المتوقع
يعكس تصريح الكرملين استراتيجية روسية واضحة تهدف إلى تهميش الدور الأوروبي في أي تسوية مستقبلية، وتصوير الصراع على أنه مواجهة جيوسياسية مباشرة مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو). من خلال استبعاد أوروبا، تسعى موسكو إلى التفاوض مباشرة مع واشنطن، التي تعتبرها صانع القرار الحقيقي في المعسكر الغربي. هذا الموقف يضعف أي مبادرات سلام قد تطلقها عواصم أوروبية، مثل فرنسا، ويجعل من الصعب بناء إجماع دولي حول آلية للتفاوض.
على الصعيد الإقليمي، يزيد هذا التصريح من عزلة روسيا الدبلوماسية عن جيرانها الأوروبيين، ويعمق الانقسام بين روسيا والاتحاد الأوروبي. أما دولياً، فهو يعقد المشهد الدبلوماسي ويشير إلى أن أي طريق نحو السلام سيكون طويلاً وشاقاً، وقد يتطلب تغييراً كبيراً في مواقف الأطراف الرئيسية، وعلى رأسها موسكو وواشنطن. وفيما تستمر الجهود الدبلوماسية خلف الكواليس، كما أُشير إلى محادثات جنيف التي ترعاها الولايات المتحدة، يبقى تحقيق أي تقدم ملموس مرهوناً بتطورات الميدان العسكري واستعداد الأطراف لتقديم تنازلات حقيقية، وهو ما يبدو بعيد المنال في الوقت الراهن.


