حذرت منظمة “ميون” لحقوق الإنسان من استمرار وتفاقم كارثة الألغام في اليمن، واصفة إياها بأنها واحدة من أخطر التهديدات المباشرة التي تواجه حياة المدنيين وسلامتهم اليومية. وفي بيان رسمي صدر بمناسبة اليوم العالمي للتوعية بمخاطر الألغام، كشفت المنظمة عن أرقام مفزعة تعكس حجم المأساة الإنسانية المستمرة في البلاد نتيجة زراعة الألغام الأرضية والبحرية والعبوات الناسفة بشكل عشوائي ومكثف.
إحصائيات مفجعة: أبعاد كارثة الألغام في اليمن
أوضحت المنظمة الحقوقية أن الإحصائيات الموثقة خلال الفترة من عام 2018 وحتى شهر مارس الماضي تشير إلى مقتل 1367 مدنياً وإصابة 1622 آخرين بجروح وإعاقات مختلفة جراء حوادث انفجار الألغام والعبوات الناسفة. وما يزيد من قتامة المشهد هو أن الأطفال يشكلون نسبة كبيرة من هؤلاء الضحايا، حيث بلغت نسبتهم 30.44%، مما يهدد جيلاً كاملاً ويترك آثاراً نفسية واجتماعية واقتصادية عميقة على الأسر والمجتمعات المحلية التي فقدت معيلها أو أطراف أبنائها.
جذور الصراع وتحول الأراضي إلى حقول موت
تعود جذور هذه الأزمة إلى تصاعد النزاع المسلح في اليمن منذ أواخر عام 2014، حيث تحولت مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، والطرقات الحيوية، والمناطق السكنية إلى حقول ألغام عشوائية. لم تقتصر زراعة هذه المتفجرات على مناطق التماس العسكري، بل امتدت لتشمل القرى والمدارس ومصادر المياه، مما جعل من ممارسة الحياة اليومية للمواطن اليمني مخاطرة كبرى. هذا التلوث الواسع النطاق بالمتفجرات أدى إلى شلل شبه تام في الحركة الاقتصادية المحلية في عدة محافظات، ومنع آلاف النازحين من العودة إلى ديارهم، مما فاقم من حدة الأزمة الإنسانية التي تُصنف كواحدة من الأسوأ عالمياً.
التغير المناخي وتهديد الملاحة الدولية
لم تتوقف التهديدات عند هذا الحد، بل أشارت منظمة “ميون” إلى عامل بيئي جديد يزيد من تعقيد المشهد، وهو التغيرات المناخية. فقد أدت السيول والفيضانات التي شهدتها عدة محافظات يمنية مؤخراً إلى جرف ونقل الألغام الأرضية من مناطق زراعتها الأصلية إلى مناطق مأهولة بالسكان ومزارع كانت تُعتبر آمنة. هذا الانتقال العشوائي يزيد من احتمالية سقوط ضحايا جدد ويعرقل جهود فرق الاستجابة. وعلى الصعيد الإقليمي والدولي، لفتت المنظمة الانتباه إلى تصاعد التوترات في البحر الأحمر، محذرة من خطورة استخدام الألغام البحرية كأداة في الصراع، وهو ما يمثل تهديداً مباشراً وخطيراً لسلامة الملاحة الدولية وحركة التجارة العالمية التي تمر عبر مضيق باب المندب الاستراتيجي.
جهود التطهير والدعوة للتحرك العاجل
في خضم هذه التحديات الكبرى، أشادت المنظمة بالجهود الجبارة التي يبذلها مشروع “مسام” لتطهير الأراضي اليمنية من الألغام. وقد تمكن المشروع حتى الآن من نزع 551,189 لغماً وذخيرة غير منفجرة وعبوة ناسفة، مع الحرص على تنفيذ عمليات إتلاف دورية لضمان عدم استخدامها مجدداً. وحثت المنظمة كافة البرامج والفرق الهندسية على تكثيف جهودها لتطهير المناطق المتضررة، وتنفيذ برامج توعية مجتمعية مستمرة. كما وجهت نداءً عاجلاً للمجتمع الدولي بضرورة الوقف الفوري لاستخدام الألغام، والالتزام الصارم بالقانون الدولي الإنساني، مع التشديد على أهمية تقديم الدعم الشامل للضحايا، ومساءلة الجهات المسؤولة عن زراعة هذه الآفات القاتلة لضمان عدم الإفلات من العقاب.


