في ظل التطور التقني المتسارع، يشهد العالم تحديات قانونية غير مسبوقة. ومؤخراً، برزت في الأوساط القانونية السعودية تفاصيل أول دعوى قضائية ضد الذكاء الاصطناعي، والتي استهدفت تحديداً النظام المعروف باسم «جروك» (Grok). وأكدت مصادر لصحيفة «عكاظ» أن حق التقاضي مكفول بالتساوي لجميع المواطنين والمقيمين في المملكة العربية السعودية، إلا أن قبول الدعوى شكلياً وقيدها لا يعني بالضرورة الحكم بأحقية المدعي، حيث تتولى المحكمة التحقق الدقيق من شروط قبول الدعوى الأساسية مثل الاختصاص، الصفة، والمصلحة.
وتعود تفاصيل القضية إلى تسلم المحكمة العامة في الرياض دعوى رفعها محامٍ سعودي نيابة عن إعلامي متضرر، إثر تداول مقطع فيديو لشاب وفتاة، حيث زعم نظام الذكاء الاصطناعي «جروك» أن من ظهرا في المقطع هما الإعلامي المعروف وناشطة على مواقع التواصل، مما اعتبر إساءة وتشهيراً. ومع ذلك، أوضحت المصادر القانونية أن الدعاوى لا تقام على مجهول، وأن نظام الذكاء الاصطناعي يُعد جهة مجهولة تفتقر للشخصية الاعتبارية، في حين يتطلب قيد الدعوى توفر البيانات الشخصية الواضحة للمدعى عليه.
تطور التقنية وتاريخ أي دعوى قضائية ضد الذكاء الاصطناعي
تاريخياً، لم تكن هذه الحادثة معزولة عن السياق العالمي؛ فمنذ ظهور نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، واجهت المحاكم في مختلف دول العالم سيلاً من التحديات المتعلقة بانتهاك حقوق الطبع والنشر، التشهير، ونشر المعلومات المضللة. إن أي دعوى قضائية ضد الذكاء الاصطناعي تفتح باباً واسعاً للنقاش حول من يتحمل العبء القانوني: هل هي الخوارزمية نفسها، أم الشركة المطورة، أم المستخدم النهائي؟ هذا السياق التاريخي يؤكد أن الأنظمة القضائية العالمية لا تزال في مرحلة التكيف مع مخرجات تعلم الآلة، سعياً لحماية حقوق الأفراد من التشهير الرقمي دون كبح جماح الابتكار التقني.
الموقف القانوني وإجراءات التقاضي في السعودية
وفي سياق متصل، أوضح الخبير القضائي الدكتور مصعب الخالدي لـ«عكاظ» أن التعليق على مثل هذه الدعاوى دون الاطلاع الدقيق على صحيفة الدعوى يُعد إخلالاً بالمنهج القضائي، لما له من أثر في تحديد الاختصاص وتكييف العلاقة النظامية. وشدد على أن المسؤولية القانونية لا تُنسب للتقنية بذاتها، بل لمن أنشأها أو شغّلها أو أتاح مخرجاتها، وذلك وفقاً لقواعد المسؤولية التقصيرية والتعويض عن الضرر. من جانبها، بينت المحامية نسرين الغامدي أن المحاكم قد تحكم بعدم قبول الدعوى شكلاً إذا لم تُستوفَ الشروط، مثل تحديد هوية المدعى عليه عبر منصة «ناجز»، مشيرة إلى أن عدم القبول الشكلي يتيح للمدعي تصحيح الخلل ورفع الدعوى مجدداً متى ما توفرت الأدلة وثبت الحق.
التأثير المتوقع لتنظيم النزاعات التقنية محلياً ودولياً
إن أهمية هذا الحدث تتجاوز مجرد كونه نزاعاً فردياً، بل يمتد تأثيره ليؤسس سوابق قضائية هامة في البيئة القانونية السعودية، مما يتماشى مع مستهدفات رؤية 2030 في تعزيز الحوكمة الرقمية والتحول التقني الآمن. على الصعيدين الإقليمي والدولي، تساهم مثل هذه القضايا في تسريع وتيرة الجهود الرامية إلى وضع تشريعات دولية موحدة تنظم عمل شركات الذكاء الاصطناعي. هذا الحراك القانوني سيجبر الشركات التقنية الكبرى على فرض قيود أمان أكثر صرامة على أنظمتها لمنع توليد محتوى مسيء أو مضلل، مما يضمن في النهاية خلق بيئة رقمية موثوقة تحترم سيادة القانون وتحمي كرامة الأفراد.


