في لحظة نادرة من الصراحة والعمق، كشفت الفنانة المصرية القديرة ليلى علوي عن أحد أصعب المواقف التي واجهتها في مسيرتها الفنية والشخصية، والتي ارتبطت بشكل وثيق بفيلم “المصير” للمخرج العالمي يوسف شاهين. ففي تفاصيل مؤثرة، صرحت علوي بأن القدر شاء أن يتوفى والدها في اليوم الأول من تصوير هذا العمل السينمائي الضخم، مما وضعها أمام اختبار قاسٍ بين واجبها العائلي والتزامها الفني. هذه التجربة تسلط الضوء على التضحيات الكبيرة التي يقدمها الفنانون في سبيل إبداعهم، وتكشف عن جانب إنساني عميق في حياة نجمة بحجم ليلى علوي.
المصير: تحفة سينمائية ورسالة خالدة
يُعد فيلم “المصير” (1997) أحد أبرز الأعمال في تاريخ السينما المصرية والعربية، ومن العلامات الفارقة في مسيرة المخرج العالمي يوسف شاهين. الفيلم، الذي تدور أحداثه في الأندلس خلال القرن الثاني عشر، يتناول قصة الفيلسوف ابن رشد وصراعه مع التعصب الفكري ومحاولات حرق كتبه. لقد كان شاهين، المعروف بجرأته ورؤيته الفنية الثاقبة، يهدف من خلال “المصير” إلى إرسال رسالة قوية ضد التطرف والدعوة إلى التنوير وحرية الفكر، وهي رسالة لا تزال صداها يتردد بقوة حتى يومنا هذا. شارك الفيلم في المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي الدولي، وحظي بإشادة نقدية واسعة، مما يؤكد مكانته كعمل فني عالمي المستوى. العمل على فيلم بهذا الحجم يتطلب تفانياً مطلقاً من جميع أفراده، وهو ما يفسر الضغط الهائل الذي كانت ليلى علوي تواجهه.
تضحية لا تُنسى: ليلى علوي والمصير
تحدثت ليلى علوي عن تلك اللحظات العصيبة قائلة: “توفي والدي في أول يوم تصوير لفيلم المصير، وبحكم أنني الابنة الكبرى، منحني يوسف شاهين يوماً واحداً فقط للسفر من سوريا إلى مصر لإنهاء إجراءات الدفن، ثم عدت فوراً لمواصلة التصوير”. هذه الرواية تكشف عن حجم التحدي الذي واجهته، حيث اضطرت للتعامل مع فاجعة شخصية كبرى بالتوازي مع متطلبات عمل فني يتطلب تركيزاً كاملاً. وأضافت: “لم أحضر عزاء والدي، واستقبلت المعزين بعد 15 يوماً من رحيله، وفاءً لالتزامي بتصوير مشاهدي في الفيلم”. هذا الموقف يعكس مدى احترافيتها والتزامها تجاه فنها، وهو ما يميز الفنانين الكبار الذين يضعون عملهم في صدارة أولوياتهم حتى في أحلك الظروف الشخصية. إن هذه التضحية لم تكن مجرد التزام بعقد، بل كانت إيماناً بقيمة العمل الفني الذي تشارك فيه.
شغف خفي: من الميكانيكا إلى الشاشة الفضية
بعيداً عن أضواء الشهرة والتمثيل، كشفت ليلى علوي عن جانب آخر غير متوقع في شخصيتها، وهو شغفها العميق بعالم الميكانيكا. فقد أكدت أن طموحاتها الأكاديمية كانت بعيدة تماماً عن أضواء الفن، حيث كانت تخطط لاقتحام عالم الهندسة، وتحديداً تخصص ميكانيكا السيارات. أوضحت علوي أنها كانت طالبة في القسم العلمي (الرياضيات) بالمرحلة الثانوية العامة، مدفوعة بشغف كبير للالتحاق بكلية الهندسة. وعن بدايات اهتمامها بهذا المجال، قالت: “خضعت للمرة الأولى في سن الـ 15 لمهندس، وكنت أتعلم منه أساسيات الميكانيكا، وبدأت بالفعل ممارسة ما تعلمته من مهارات يدوية في إصلاح سيارات أصدقائي وعائلتي”. هذا الكشف يبرز شخصية ليلى علوي المتعددة الأوجه، ويظهر كيف أن الفنان قد يحمل في طياته اهتمامات ومواهب غير تقليدية، بعيداً عن الصورة النمطية التي يراها الجمهور.
مسيرة فنية حافلة بالتحديات والإبداع
تُعد ليلى علوي واحدة من أبرز نجمات السينما والتلفزيون في مصر والعالم العربي، وتمتد مسيرتها الفنية لعقود طويلة قدمت خلالها عشرات الأعمال الخالدة. بدأت مشوارها الفني في سن مبكرة، وتنوعت أدوارها بين الكوميديا والدراما والتراجيديا، مما أثبت قدرتها على التلون والتميز. تعاونت مع كبار المخرجين والنجوم، وحصدت العديد من الجوائز والتكريمات عن أدوارها المتنوعة. إن شغفها بالسيارات والعلوم الرياضية، الذي كان حاضراً بقوة خلف كواليس بداياتها الفنية، لم يمنعها من تحقيق نجاح باهر في مجال التمثيل، بل ربما أضاف إلى شخصيتها عمقاً وواقعية انعكست على أدائها الفني. هذه القصة تذكرنا بأن النجاح الحقيقي غالباً ما يكون نتاجاً لمزيج من الموهبة الفطرية، والعمل الجاد، والتضحيات الشخصية، والشغف الذي لا ينضب، سواء كان ذلك الشغف بالتمثيل أو حتى بالميكانيكا.


