أثار تداول تسجيل صوتي مُسرّب منسوب للرئيس اليمني الراحل علي عبدالله صالح، ورئيس المكتب السياسي السابق لحركة حماس خالد مشعل، موجة واسعة من الجدل والنقاشات السياسية، حيث كشف التسجيل عن خبايا وكواليس إدارة الملفات الساخنة في المنطقة، وتحديداً ملف العدوان على غزة وقضية «صواريخ المقاومة».
تفاصيل التسريب ومضمون الخلاف
يُظهر التسجيل الصوتي، الذي يُعتقد أنه يعود لفترة إحدى الحروب السابقة على قطاع غزة، محادثة هاتفية يحاول فيها الرئيس اليمني السابق ممارسة ضغوط سياسية على قيادة حماس. وبحسب ما ورد في التسريب، فقد طلب صالح من مشعل بشكل مباشر العمل على وقف إطلاق الصواريخ تجاه الأراضي المحتلة، مبرراً ذلك بالضغوط الدولية أو الرغبة في التهدئة، وهو ما قوبل بردود دبلوماسية ولكن حازمة من قبل مشعل، الذي أكد على حق المقاومة في الدفاع عن النفس في وجه العدوان.
السياق السياسي: سياسة «الرقص على رؤوس الثعابين»
لفهم خلفيات هذه المكالمة، يجب العودة إلى طبيعة السياسة التي انتهجها علي عبدالله صالح طوال فترة حكمه التي امتدت لـ 33 عاماً. عُرف صالح ببراغماتيته الشديدة وقدرته على المناورة بين المتناقضات، وهو ما وصفه هو نفسه بـ «الرقص على رؤوس الثعابين». فبينما كان يظهر في الخطابات الجماهيرية كداعم قوي ومطلق للقضية الفلسطينية، تكشف مثل هذه التسريبات عن الوجه الآخر للدبلوماسية العربية في الغرف المغلقة، حيث تتداخل الحسابات الإقليمية، والضغوط الأمريكية، والعلاقات مع الأنظمة العربية الأخرى، مما يدفع الزعماء لاتخاذ مواقف قد تتعارض مع شعاراتهم المعلنة.
حماس والعلاقات العربية المعقدة
من جانب آخر، يُسلط هذا التسريب الضوء على التعقيدات التي واجهتها حركة حماس في إدارة علاقاتها مع الأنظمة العربية الرسمية. فقد كان على الحركة، وتحديداً خالد مشعل، الموازنة بين الحفاظ على الدعم السياسي والمالي من الدول العربية، وبين التمسك بقرار السلم والحرب واستقلالية العمل العسكري. تُظهر المكالمة كيف كانت القيادة الفلسطينية تتعرض لضغوط هائلة من «الأشقاء» قبل الأعداء لتقديم تنازلات ميدانية مقابل وعود سياسية أو تهدئة مؤقتة.
أهمية التسريب وتأثيره التاريخي
تكمن أهمية هذا التسريب ليس فقط في محتواه الآني، بل في كونه وثيقة تاريخية تكشف آلية صنع القرار في الشرق الأوسط خلال العقود الماضية. وتتمثل أهميته في النقاط التالية:
- توثيق التاريخ السري: تساهم هذه التسريبات في إعادة كتابة تاريخ المنطقة بناءً على الحقائق لا الشعارات، وتوضح كيف كانت تدار الأزمات الكبرى عبر الهاتف.
- كشف ازدواجية المعايير: يوضح التسجيل الفجوة الكبيرة بين الخطاب الإعلامي الموجه للشعوب العربية، وبين الحديث السياسي الواقعي الذي يدور خلف الأبواب المغلقة.
- فهم التحالفات الإقليمية: يعطي مؤشراً على طبيعة التحالفات التي كانت قائمة، وكيف كان الرئيس صالح يحاول لعب دور الوسيط الإقليمي لتعزيز مكانته الدولية، حتى لو كان ذلك على حساب ثوابت معينة.
في الختام، يبقى هذا التسريب جزءاً من أرشيف ضخم بدأ يتكشف تباعاً بعد أحداث الربيع العربي ورحيل العديد من الزعماء، ليضع الجمهور العربي أمام حقائق مجردة حول كيفية إدارة الصراعات المصيرية في المنطقة.


