استفاق لبنان اليوم على مشهد مغاير تماماً، فبينما كانت العاصمة بيروت تلملم جراح «ليلة الأربعاء الدامية» التي خلفها العدوان الإسرائيلي الغاشم، كانت قاعة مجلس الوزراء في قصر بعبدا تشهد ولادة موقف رسمي هو الأكثر حزماً منذ بدء التصعيد الأخير. وفي جلسة استثنائية طغى عليها هدير الطائرات الذي لم يغادر الأجواء، تم وضع خارطة طريق جديدة لترسيخ السيادة اللبنانية سياسياً وميدانياً، في خطوة تهدف إلى إعادة زمام المبادرة إلى مؤسسات الدولة الشرعية.
جذور الصراع وتحديات السيادة اللبنانية عبر التاريخ
لم يكن المشهد اللبناني الحالي وليد اللحظة، بل هو امتداد لتاريخ طويل من التحديات التي واجهت الدولة في بسط سلطتها. منذ عقود، عانى لبنان من تداعيات الصراعات الإقليمية التي انعكست مباشرة على استقراره الداخلي. وقد شكل «اتفاق الطائف» الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية عام 1989، حجر الزاوية في محاولات استعادة هيبة الدولة، حيث نص بوضوح على حل جميع الميليشيات وتسليم أسلحتها. ومع ذلك، ظلت مسألة حصر السلاح بيد القوى الشرعية تواجه عقبات سياسية وأمنية معقدة، مما جعل البلاد عرضة للتدخلات الخارجية والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة التي طالما استهدفت البنية التحتية والمدنيين، ووضعت سيادة البلاد على المحك.
موقف رسمي حازم: لا وصاية على قرار الدولة
في مستهل الجلسة الحكومية، وبنبرة لم تخلُ من العتب والمرارة، أعلن قائد الجيش العماد جوزيف عون انتهاء زمن «بيانات الاستنكار» التي أثبتت عجزها عن حماية المدنيين. وأكد أن لبنان يسعى جاداً لإعطاء فرصة حقيقية للمفاوضات، أسوة بغيره من القوى الإقليمية. ووجه رسالة واضحة وحاسمة للداخل والخارج، مشدداً على «حصرية التفاوض» بيد الدولة اللبنانية وحدها.
وقال بوضوح: «نحن دولة لها كيانها وموجودة، والدولة هي التي تفاوض، ولا نقبل بأن يفاوض أي أحد سوانا. فنحن لنا القدرة والإمكانيات للتفاوض، ولا نريد أن يفاوض أي أحد عنا، وهذا أمر لا نقبل به». ولم ينسَ الإشادة بـ«الملحمة الإنسانية» التي سطرتها الوزارات والأجهزة الأمنية وفوج الإطفاء والدفاع المدني والصليب الأحمر تحت الأنقاض، معتبراً أن تضامن مختلف أجهزة الدولة في احتواء نتائج العدوان هو عمل جبار خفف من وطأة الكارثة التي استهدفت المدنيين العزل في بيوتهم.
بيروت مدينة منزوعة السلاح بقرار حكومي
وعقب انتهاء المداولات المكثفة، خرج رئيس الحكومة نواف سلام ليعلن مقررات وصفت بالمصيرية والتاريخية. حيث تقرر رسمياً تصعيد الموقف دبلوماسياً عبر تقديم شكوى عاجلة إلى مجلس الأمن الدولي ضد مجزرة الأربعاء، والتي اعتبرها لبنان خرقاً فاضحاً للقانون الدولي الإنساني وضرباً لكل الجهود الدولية الرامية لوقف إطلاق النار.
أما القرار الذي شكل الحدث الأبرز، فكان التوجه الأمني الميداني. إذ واستناداً إلى «اتفاق الطائف»، أعلن سلام صدور أوامر فورية للجيش والقوى الأمنية ببسط سيطرة الدولة الكاملة على محافظة بيروت، وحصر السلاح فيها بيد القوى الشرعية وحدها دون غيرها. ويأتي هذا القرار كخطوة تنفيذية حاسمة لضمان أمن المواطنين وممتلكاتهم، مع التشدد في ملاحقة المخالفين وإحالتهم إلى القضاء المختص، لتكون العاصمة منطلقاً لاستعادة هيبة الدولة المفقودة وسط دخان الغارات.
التداعيات المتوقعة للقرارات على الساحتين الإقليمية والدولية
تحمل هذه القرارات الاستثنائية أبعاداً استراتيجية عميقة ستنعكس على مختلف الأصعدة. على الصعيد المحلي، يمثل إعلان بيروت منزوعة السلاح خطوة أولى نحو طمأنة الشارع اللبناني وإعادة الثقة بمؤسسات الدولة وقدرتها على حماية مواطنيها، مما يمهد الطريق لتعزيز الاستقرار الداخلي وتوحيد الصف الوطني.
أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن تمسك الحكومة بقرار السلم والحرب وحصرية التفاوض يوجه رسالة قوية للمجتمع الدولي بأن لبنان مستعد لتحمل مسؤولياته كدولة مستقلة. هذا الموقف من شأنه أن يعزز الثقة الدولية في الحكومة اللبنانية، ويسهل المطالبة بتطبيق القرارات الأممية، لا سيما القرار 1701، مما قد يجلب دعماً دبلوماسياً أوسع للبنان في مواجهة الاعتداءات، ويؤسس لمرحلة جديدة من العلاقات القائمة على الاحترام المتبادل للقوانين والمواثيق الدولية.


