spot_img

ذات صلة

اتفاقية لبنان وسوريا: نقل المحكومين السوريين وتعزيز التعاون القضائي

في خطوة تعكس تطوراً مهماً في العلاقات الثنائية والتعاون القضائي بين البلدين الشقيقين، وقعت سوريا ولبنان يوم الجمعة اتفاقية لنقل المحكومين السوريين من السجون اللبنانية إلى بلادهم. من المقرر أن يبدأ تنفيذ هذه الاتفاقية اعتباراً من يوم غد السبت، مما يمثل إنجازاً بارزاً بعد أشهر من المباحثات المكثفة بين الجانبين.

جاء الإعلان عن هذه الاتفاقية خلال مؤتمر صحفي مشترك عُقد في بيروت، حضره نائب رئيس الحكومة اللبنانية، طارق متري، ووزير العدل السوري، مظهر الويس. وأكد متري أن هذه الاتفاقية تشكل أساساً لمعالجات أوسع نطاقاً في المرحلة المقبلة، مشيراً إلى أن العمل جارٍ لإعداد اتفاقية إضافية تتعلق بالموظفين السوريين بمختلف فئاتهم، بهدف معالجة ملفاتهم وفق الأصول القانونية المعتمدة. هذا التوجه يعكس إرادة سياسية مشتركة قائمة على الثقة والاحترام المتبادل والتعاون البناء بين دمشق وبيروت.

تأتي هذه الاتفاقية في سياق تاريخي معقد للعلاقات اللبنانية السورية، التي شهدت تقلبات عديدة على مر العقود. لطالما ارتبط مصير البلدين بشكل وثيق، سواء من خلال الروابط الثقافية والاجتماعية العميقة، أو التحديات السياسية والأمنية المشتركة. ومع اندلاع الأزمة السورية في عام 2011، استقبل لبنان أعداداً هائلة من اللاجئين السوريين، مما وضع ضغوطاً هائلة على بنيته التحتية واقتصاده ونظامه القضائي. وقد أدت هذه الظروف إلى تزايد أعداد السوريين المحتجزين أو المحكوم عليهم في السجون اللبنانية، مما جعل ملفهم قضية إنسانية وقانونية ملحة تتطلب حلاً جذرياً.

من جانبه، شدد وزير العدل السوري، مظهر الويس، على أن هذا الإنجاز هو ثمرة أشهر من العمل المشترك والاتصالات المتواصلة على أعلى المستويات بين البلدين، والتي بدأت منذ الثامن من يناير عام 2024. وأوضح الويس أن الاتفاقية تمثل خطوة إنسانية وقانونية مهمة في ملف السجناء، وتعكس إرادة سياسية حقيقية لمعالجة هذا الملف الحساس بأبعاده القانونية والإنسانية. وأشار إلى أن الاتفاقية ستسهم في معالجة أوضاع عدد من المحكومين الذين أمضوا فترات طويلة في السجون، وكانت ملفاتهم تتسم بالتعقيد القانوني.

إن أهمية هذه الاتفاقية تتجاوز البعد القانوني البحت. فعلى الصعيد الإنساني، ستسهم في التخفيف من معاناة المحكومين وذويهم، وتزرع الطمأنينة في نفوسهم، حيث سيتسنى لهم قضاء ما تبقى من محكوميتهم في بلدهم الأم، بالقرب من عائلاتهم. وعلى الصعيد القضائي، تمثل هذه الاتفاقية سابقة مهمة في تعزيز التعاون القضائي بين الدولتين، وتضع إطاراً قانونياً لمعالجة قضايا مماثلة في المستقبل، مما يعزز سيادة القانون ويحفظ الكرامة الإنسانية.

أما على الصعيد السياسي، فإن توقيع هذه الاتفاقية يعكس رغبة مشتركة في الانتقال إلى مرحلة أكثر استقراراً وتنسيقاً في القضايا ذات البعد الإنساني والقانوني. وهي مؤشر على تحسن محتمل في العلاقات الثنائية، وخطوة نحو معالجة القضايا العالقة بين البلدين بطريقة بناءة ومسؤولة. كما أنها تخفف العبء عن السجون اللبنانية التي تعاني من الاكتظاظ، وتساهم في إدارة ملف الوجود السوري في لبنان بشكل أكثر فعالية.

وأكد الوزيران أن اللجان القضائية المتخصصة في البلدين ستواصل اجتماعاتها لمتابعة أوضاع الموقوفين الذين لم تشملهم الاتفاقية الحالية، والعمل على إعداد خطة زمنية لمعالجة ملفاتهم وفق الأصول القانونية المعتمدة. وهذا يؤكد التزام الجانبين بمعالجة شاملة لجميع الحالات، إيماناً بأن العدالة لا تتجزأ، وأن أي انفراج يتحقق اليوم سيمهد الطريق لمعالجات أوسع في المرحلة القادمة، بما يخدم العدالة ويحفظ الكرامة الإنسانية للجميع.

وكان مجلس الوزراء اللبناني قد أقر هذه الاتفاقية في الثلاثين من يناير الماضي، مما يؤكد الإجماع الحكومي اللبناني على أهمية هذه الخطوة. إن هذا التعاون المسؤول يعمق العلاقات الأخوية التي تجمع البلدين، ويحرص الجانبان على تعزيزها وتطويرها بما يخدم مصالح الشعبين الشقيقين.

spot_imgspot_img