ليبيا تخفض قيمة الدينار 14.7% لمواجهة السوق الموازية وتعزيز الاستقرار الاقتصادي
في خطوة اقتصادية محورية تهدف إلى استعادة الاستقرار النقدي ومواجهة التحديات الاقتصادية المتفاقمة، أعلن مصرف ليبيا المركزي عن تعديل سعر صرف الدينار الليبي، مخفضاً قيمته بنسبة 14.7% أمام وحدة حقوق السحب الخاصة (SDRs). وبموجب هذا القرار، أصبح كل دينار ليبي يعادل 0.1150 وحدة حقوق سحب خاصة، بدلاً من 0.1348 وحدة سابقة.
يأتي هذا التعديل استجابةً لضغوط اقتصادية متزايدة شهدتها البلاد، أبرزها التدهور المستمر في قيمة الدينار الليبي بالسوق السوداء (الموازية)، والذي ترافق مع ارتفاع حاد في أسعار السلع الأساسية. ففي الأيام التي سبقت القرار، تجاوز سعر الدولار الأمريكي حاجز الـ 9 دنانير في السوق الموازية، قبل أن يستقر عند حوالي 8.7 دينار مقابل الدولار. ومع التعديل الجديد، أصبح السعر الرسمي للدينار مقابل الدولار الأمريكي حوالي 6.36 دينار، مما يقلص الفجوة بشكل كبير بين السعرين الرسمي والموازي.
السياق الاقتصادي والسياسي: جذور الأزمة
لفهم عمق هذا القرار، يجب النظر إلى السياق الليبي المعقد. تعتمد ليبيا بشكل شبه كلي على إيرادات النفط والغاز، مما يجعل اقتصادها شديد التأثر بالتقلبات في أسعار الطاقة العالمية. منذ عام 2011، شهدت البلاد حالة من الانقسام السياسي والصراع المسلح، مما أثر بشكل مباشر على المؤسسات السيادية، بما في ذلك مصرف ليبيا المركزي. هذا الانقسام أدى إلى ازدواجية في الإدارة والإنفاق، وغياب ميزانية موحدة للدولة، وتنامي الإنفاق العام بوتيرة غير مستدامة، مما استنزف الاحتياطيات الأجنبية وأضعف الثقة في العملة الوطنية.
لقد أدت هذه الظروف إلى ازدهار السوق الموازية للعملات، حيث يلجأ الأفراد والشركات إليها لتلبية احتياجاتهم من العملات الأجنبية في ظل القيود المفروضة على السعر الرسمي وعدم كفايته لتغطية الطلب. هذا الوضع خلق تشوهات اقتصادية كبيرة، حيث أصبحت تكلفة الاستيراد أعلى بكثير، مما انعكس على أسعار السلع المستوردة وساهم في ارتفاع معدلات التضخم، وأثر سلباً على القوة الشرائية للمواطن الليبي.
أهمية القرار وتأثيراته المتوقعة
يُعد قرار تخفيض قيمة الدينار خطوة جريئة ومحورية ضمن حزمة إصلاحات أوسع أوصت بها لجنة السياسة النقدية في مصرف ليبيا المركزي، وجاء نتيجة اجتماعات مكثفة لمجلس الإدارة. يهدف القرار إلى تحقيق عدة أهداف استراتيجية:
- احتواء السوق الموازية: بتقليص الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي، يُتوقع أن يحد القرار من جاذبية السوق السوداء ويقلل من حجم التعاملات فيها، مما يعيد جزءاً من السيولة إلى القنوات الرسمية.
- حماية الاحتياطيات الأجنبية: من خلال ترشيد استخدام العملة الصعبة وتوجيهها نحو الأولويات الاقتصادية، يساهم القرار في الحفاظ على الاحتياطيات الأجنبية للبلاد.
- دعم استقرار سعر الصرف: على المدى الطويل، يهدف هذا التعديل إلى تحقيق سعر صرف أكثر واقعية واستدامة للدينار الليبي، يعكس القوة الاقتصادية الحقيقية للبلاد.
- مكافحة التضخم: بتقليل تكلفة الاستيراد عبر القنوات الرسمية، يمكن أن يساهم القرار في استقرار أسعار السلع والحد من التضخم الناتج عن ارتفاع تكلفة العملة الأجنبية في السوق الموازية.
- تحفيز الاقتصاد: يمكن أن يشجع سعر الصرف الأكثر واقعية على الاستثمار المحلي والأجنبي، ويدعم الصادرات الليبية غير النفطية (وإن كانت محدودة) بجعلها أكثر تنافسية.
ومع ذلك، فإن نجاح هذه الإصلاحات يعتمد بشكل كبير على عوامل أخرى، أبرزها تحقيق توافق سياسي شامل يوحد المؤسسات المالية للدولة، ويضع حداً للازدواجية في الإنفاق، ويضمن تطبيق ميزانية عامة موحدة ومنضبطة. كما يتطلب الأمر تنظيم نشاط الصرافة بشكل فعال وتعزيز الرقابة لضمان التزام الجميع بالأسعار الرسمية. إن هذا القرار، وإن كان خطوة ضرورية، يمثل جزءاً من مسيرة أطول نحو استقرار وازدهار الاقتصاد الليبي.


