شهدت مدينة جدة حراكاً ثقافياً مميزاً يسلط الضوء على دور الترجمة الأدبية كجسر حضاري يربط بين الشعوب، حيث نظم سفراء جمعية الأدب المهنية بالتعاون مع مقهى “قهوة سين”، وضمن مبادرة “الشريك الأدبي” المبتكرة، أمسية ثقافية متخصصة تحت عنوان “الترجمة الأدبية وتنوع الأجناس: من القصة إلى المسرح إلى الشعر في ضوء الأمانة والتأويل”. وقد جمعت هذه الفعالية نخبة من المتخصصين والأكاديميين لمناقشة التحديات والآفاق التي تواجه المترجمين في نقل النصوص الإبداعية من لغاتها الأصلية إلى لغات أخرى مع الحفاظ على هويتها الفنية وخصوصيتها الثقافية.
تاريخ الترجمة ودورها في تعزيز الحوار الثقافي بين الشعوب
تأتي هذه الأمسية في سياق تاريخي غني؛ فالترجمة لم تكن يوماً مجرد نقل آلي للكلمات، بل هي عملية تفاعل فكري وثقافي بدأت منذ العصور القديمة، مثل حركة الترجمة الشهيرة في العصر العباسي التي أسهمت في نقل العلوم والآداب بين الحضارات المختلفة. وفي العصر الحديث، تزايدت أهمية الترجمة كأداة أساسية لتمكين المجتمعات من الانفتاح على الآخر وفهم خصوصياته الثقافية والاجتماعية. وتعد مبادرة “الشريك الأدبي” في المملكة العربية السعودية جزءاً من رؤية وطنية شاملة تهدف إلى إحياء هذا الإرث المعرفي، وجعل المقاهي والأماكن العامة منصات تفاعلية تحتضن الأدباء والمترجمين، مما يعيد صياغة المشهد الثقافي المحلي ويقربه من الجمهور بمختلف فئاته.
تحديات نقل الأجناس الإبداعية بين الأمانة والتأويل
شهدت الجلسة الحوارية، التي أدارتها باقتدار الأستاذة صباح فارسي، مشاركة متميزة من الأكاديميات والمتخصصات: إيمان محمد سعيد صالح تونسي، وهديل أزهر، ونادية خوندنه. وتناولت المتحدثات العقبات الجمالية والفكرية التي تفرضها الأجناس الأدبية المختلفة على المترجم، حيث تم تسليط الضوء على ترجمة المسرح، والتي لا تتطلب فقط نقل الحوار، بل وعياً عميقاً بالسياق الأدائي والثقافي ولغة الجسد التي تصاحب النص على خشبة المسرح.
كما توقفت الأمسية عند ترجمة الشعر، التي وُصفت بأنها واحدة من أعقد مسارات الترجمة وأكثرها حساسية، نظراً لضرورة نقل الوزن والقافية والمجاز دون الإخلال بالمعنى الأصلي. وفيما يخص السرد القصصي والروائي، ناقشت المشاركات آليات نقل الروح الفنية والبيئة الثقافية للقصة إلى لغة أخرى دون أن تفقد جاذبيتها الإبداعية وقدرتها على التأثير في القارئ الجديد.
أثر الفعاليات الثقافية في دعم صناعة الترجمة الأدبية
لا يقتصر تأثير هذه الأمسية على الجانب الأكاديمي فحسب، بل يمتد ليكون له أثر محلي وإقليمي ودولي ملموس. محلياً، تسهم هذه النقاشات في رفع وعي المجتمع بأهمية الترجمة وتأهيل جيل جديد من المترجمين السعوديين القادرين على تمثيل الأدب العربي عالمياً. وإقليمياً، تعزز هذه الفعاليات مكانة المملكة كمركز رائد للإشعاع الثقافي والفكري في المنطقة العربية. أما على الصعيد الدولي، فإن تطوير أدوات الترجمة الأدبية يسهم بشكل مباشر في نقل الإبداع الأدبي العربي إلى العالم، مما يصحح المفاهيم المغلوطة ويبني جسوراً متينة للتفاهم الإنساني والتعايش السلمي بين الشعوب المختلفة.
واختتمت الأمسية بتفاعل لافت من الحضور الذين أثروا النقاش بمداخلاتهم وتساؤلاتهم العميقة حول دور المترجم كشريك في العملية الإبداعية وليس مجرد ناقل لها. ويعكس هذا الإقبال المتزايد تنامي الوعي المجتمعي بأهمية الترجمة كرافد أساسي للحراك المعرفي، مما يؤكد نجاح الجهود الرامية لتنشيط المشهد الأدبي في مدينة جدة وفتح آفاق جديدة للحوار الإنساني.


