spot_img

ذات صلة

تليف الكبد: الأسباب، الأعراض، وطرق الوقاية والعلاج

يُعدّ تليف الكبد من أخطر الحالات الصحية التي تواجه البشرية في العصر الحديث، حيث يتطور بصمت تام داخل جسم الإنسان ليصبح واحداً من أبرز أسباب الوفيات المرتبطة بأمراض الجهاز الهضمي عالمياً. تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن هذا المرض الصامت يتسبب في وفاة أكثر من 1.3 مليون شخص سنوياً، مما يضعه ضمن أهم 15 سبباً للوفاة حول العالم.

جذور المرض وتأثيره الصحي عبر التاريخ

تاريخياً، عُرفت أمراض الكبد منذ العصور القديمة، حيث أدرك الأطباء الأوائل أهمية هذا العضو الحيوي في تنقية الجسم، إلا أن الفهم الدقيق لآلية حدوث تليف الكبد لم يتبلور إلا مع تطور الطب الحديث واكتشاف الفايروسات الكبدية في منتصف القرن العشرين. واليوم، يحمل هذا المرض تأثيراً بالغ الأهمية على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. فمن الناحية الاقتصادية والصحية، يشكل عبئاً ثقيلاً على أنظمة الرعاية الصحية العالمية بسبب تكاليف العلاج الباهظة، الإقامات الطويلة في المستشفيات، والحاجة الماسة إلى عمليات زراعة الأعضاء. وعلى الصعيد الإقليمي والدولي، تتضافر الجهود للحد من انتشاره، خاصة مع وجود نحو ملياري شخص تعرضوا لعدوى فايروس (التهاب الكبد B) في مرحلة ما من حياتهم، وما يقارب 58 مليون شخص يعيشون مع عدوى فايروس (التهاب الكبد C) المزمنة، وهما من أبرز مسببات التليف.

كيف يتطور تليف الكبد بصمت؟

تؤكد الجمعية الأمريكية لدراسة أمراض الكبد (AASLD) أن تليف الكبد يمثل المرحلة النهائية للعديد من الأمراض المزمنة. والمقلق في الأمر أن ما يقارب 30% من المصابين بمرض الكبد الدهني غير الكحولي قد يتطور لديهم التليف في مراحل لاحقة. وتتفق الجمعية الأوروبية لدراسة الكبد (EASL) مع هذا الطرح، مشيرة إلى أن نسبة كبيرة من الحالات تبقى غير مُشخّصة، إذ يُقدّر أن واحداً من كل أربعة بالغين يعاني من شكل من أشكال الكبد الدهني. وتحذر الجهات الصحية من أن المرض لا يُظهر أعراضاً واضحة إلا بعد فقدان الكبد لأكثر من 70% من قدرته الوظيفية، لتظهر بعدها مضاعفات خطيرة مثل الاستسقاء، النزيف الداخلي، الاعتلال الدماغي الكبدي، وسرطان الكبد الذي يسجل عالمياً أكثر من 900 ألف حالة سنوياً.

جهود مبذولة في مكافحة التهابات الكبد

بالتزامن مع اليوم العالمي لالتهاب الكبد الفايروسي، أعلنت وزارة الصحة عن تقدم استثنائي في برامج الكشف المبكر والعلاج. فقد تم تنفيذ أكثر من 19 مليون فحص مسحي لالتهاب الكبد C منذ عام 2018، محققة نسبة شفاء بلغت 95% بفضل العلاجات الحديثة. وتنسجم هذه الجهود الشاملة مع مستهدفات برنامج تحول القطاع الصحي لبناء مجتمع يتمتع بصحة مستدامة. كما كشفت البيانات عن انخفاض معدل الإصابة بالتهاب الكبد B المزمن إلى 1.6% بين البالغين، مع عدم تسجيل أي حالات جديدة بين الأطفال دون سن الخامسة، إضافة إلى إجراء أكثر من 1,188,000 فحص خلال عام 2025م.

رأي الخبراء: متى يدق ناقوس الخطر؟

يوضح الدكتور عبدالرحمن صالح العمرو، استشاري أمراض وزراعة الكبد، أن التليف يحدث عندما تُستبدل الخلايا السليمة بأنسجة ليفية تعيق وظائف الكبد الحيوية كالتنقية وتصنيع البروتينات. وتبدأ الخطورة الحقيقية بظهور اليرقان (اصفرار الجلد والعينين) واستسقاء البطن، وهي مرحلة تُعرف بفشل الكبد المزمن. ورغم عدم وجود دواء يزيل التليف بالكامل، إلا أن العلاجات الحديثة قادرة على إيقاف تطوره. ويحذر الدكتور العمرو من استخدام الأعشاب والمكملات غير الموثوقة التي قد تسبب التهابات وتسرع من تلف الكبد.

هل يمكن للكبد أن يجدد نفسه؟

يمتلك الكبد قدرة مذهلة على التجدد. عند إزالة المسبب الرئيسي، سواء كان فايروساً أو سمنة مفرطة، يبدأ الكبد في إصلاح خلاياه التالفة تدريجياً. ومع ذلك، فإن التليف الشديد لا يمكن عكسه. وفي الحالات المتقدمة جداً، تبقى زراعة الكبد هي الخيار العلاجي الأمثل والنهائي، حيث يعود حجم الكبد لدى المتبرع والمتلقي إلى طبيعته خلال أشهر قليلة.

المرض الصامت واختلال توازن الجسم

يصف الدكتور عبدالله المحمود، استشاري الطب الباطني وأمراض الجهاز الهضمي، الكبد بأنه “المصنع الحيوي” للجسم. عندما يرهق هذا المصنع بسبب الالتهابات أو الدهون، يختل التوازن العام، فتظهر الكدمات ويزداد النزيف ويحدث ضعف عام. ويشدد على أهمية الخطوات الوقائية الحقيقية، مبتعداً عن خرافات “الديتوكس”، ومؤكداً على أهمية التطعيم ضد فايروس B، الفحص المبكر، وضبط الوزن والسكر والدهون.

من الالتهاب إلى التليف: مسار يمكن إيقافه

من جانبه، يبيّن الدكتور هادي كريري، استشاري أمراض الجهاز الهضمي والمناظير، أن الالتهاب المزمن هو الخطوة الأولى نحو التليف. ومع استمرار التلف، يصل المريض إلى مرحلة “التشمع”. ورغم أن الرجال ومن تجاوزوا سن الخمسين هم الأكثر عرضة للإصابة، إلا أن الوقاية تظل حجر الأساس. فمن خلال التطعيم، الحفاظ على وزن مثالي، وتجنب الممارسات الطبية غير الآمنة، يمكن حماية هذا العضو الصبور الذي يمنحنا فرصاً عديدة قبل أن ينهار.

spot_imgspot_img