بعد مرور ما يقرب من عامين على حادثة وفاة لونا الشبل الغامضة، المستشارة الإعلامية السابقة للرئيس السوري بشار الأسد، عادت الأضواء لتسلط على هذه القضية مع ظهور تفاصيل جديدة مثيرة للجدل. فبينما أعلن النظام السوري حينها أن وفاتها كانت نتيجة حادث سير، تشير مصادر سورية معارضة ومقربة من دوائر النظام إلى سيناريو مختلف تمامًا، يضع بشار الأسد نفسه في دائرة الاتهام بالتورط المباشر في اغتيالها. هذه التطورات تعيد فتح ملف شخصية كانت في قلب المشهد الإعلامي والسياسي السوري، وتثير تساؤلات حول طبيعة الأسرار التي ربما كانت تحملها، وتداعياتها المحتملة على المشهد السوري المعقد.
لونا الشبل: مسيرة إعلامية في قلب السلطة
لونا الشبل كانت شخصية إعلامية بارزة في سوريا، بدأت مسيرتها في التلفزيون السوري قبل أن تنتقل إلى قناة الجزيرة الفضائية، حيث اكتسبت شهرة واسعة. ومع اندلاع الأزمة السورية في عام 2011، عادت الشبل إلى دمشق لتصبح من أبرز الوجوه الإعلامية المدافعة عن النظام السوري وسياساته. ارتقائها السريع في سلم السلطة وقربها من دائرة صنع القرار، خاصة من بشار الأسد وزوجته أسماء، جعلها تتمتع بنفوذ واسع ومكانة حساسة. في الأنظمة الشمولية، غالبًا ما يتجاوز دور المستشارين الإعلاميين مجرد الترويج، ليشمل معرفة عميقة بالخفايا السياسية والاقتصادية، مما يجعلهم في موقع استراتيجي ولكنه محفوف بالمخاطر. وفاة شخصية بهذا القدر من القرب من رأس النظام تثير دائمًا الشكوك، خاصة في سياق نظام معروف بقبضته الأمنية الصارمة وتاريخه في تصفية المعارضين أو حتى الشخصيات التي قد تشكل تهديدًا لأسراره.
تفاصيل الاغتيال المزعوم والأسرار الخطيرة
كشف الإعلامي السوري شادي حلوة، المعروف بقربه من النظام سابقًا، عن معلومات تفيد بأن الشبل قُتلت قبل أن تتمكن من الكشف عن “أسرار خطيرة” تتعلق ببشار الأسد. ووفقًا لما نقلته قنوات “العربية/الحدث” عن حلوة، فإن عملية تصفية لونا الشبل جاءت بأمر مباشر من الأسد، وتم تنفيذها عبر وزير شؤون الرئاسة السابق، منصور عزام، الذي وصف بأنه “الصندوق الأسود” للرئيس. وتشير المعلومات إلى أن عزام اتصل بالشبل وطلب حضورها إلى القصر قبل اغتيالها، كما طُلب منها إبعاد مرافقيها، مما يوحي بعملية مدبرة بعناية فائقة. هذه الرواية تتناقض بشكل جذري مع الرواية الرسمية التي قدمها إعلام النظام.
ملابسات الوفاة والتستر على الحقيقة
في يوليو 2022 (تاريخ تقديري يتوافق مع “نحو عامين” من تاريخ النشر المحتمل)، وبينما كانت الأحداث الإقليمية والدولية تتسارع، وُجدت الشبل جثة في سيارتها من طراز BMW على طريق سريع خارج دمشق. حينها، وصف إعلام النظام الأمر بأنه حادث سير مؤسف. إلا أن المعلومات المتداولة تفيد بأن الشبل تعرضت للضرب على الرأس حتى الموت، قبل أن يُعلن عن وفاتها لاحقًا. اللافت أن سيارتها لم تتعرض سوى لأضرار طفيفة، في حين وُجدت جمجمتها مهشمة، مما يتناقض بشكل صارخ مع رواية حادث السير البسيط. وقد اعتبر حلوة أن التعامل مع جنازتها تم بإهمال متعمد، وأنها وُضعت في قسم العناية المشددة “شكليًا” بعد أن كانت قد فارقت الحياة بالفعل، في محاولة للتستر على حقيقة ما جرى.
صراعات داخلية واتهامات بالتجسس
أشارت التسريبات إلى وجود صراعات داخلية حادة داخل القصر الجمهوري، وأن لونا الشبل كانت تتمتع بعلاقة قوية مع الجانب الروسي، وهو ما قد يكون أحد أسباب توتر علاقتها مع أطراف أخرى داخل النظام. يُقال إن أسماء الأسد تدخلت للحد من نفوذها، وتم تجريدها من مهامها الإعلامية. كما تحدثت تقارير عن قيام الشبل بنقل أموال تخص الأسد إلى موسكو، مما يضيف بعدًا ماليًا معقدًا للقضية. وفي سياق آخر، وُجهت اتهامات إيرانية للشبل بأنها “جاسوسة”، بالإضافة إلى مزاعم بأن شقيقها أُعدم بتهمة التخابر مع إسرائيل. هذه الاتهامات المتضاربة تعكس تعقيد المشهد السياسي والأمني داخل سوريا، وتداخل المصالح بين الأطراف الفاعلة. كما تضمنت التسريبات إشارات إلى دور رجل الأعمال حسام القاطرجي في نقل النفط من مناطق خاضعة لسيطرة تنظيم داعش وقوات سوريا الديمقراطية إلى مناطق سيطرة النظام، وهو ما يضيف بعدًا اقتصاديًا وأمنيًا للشبكة المعقدة التي كانت الشبل جزءًا منها، وربما كانت على علم بخفاياها.
أهمية الحدث وتأثيره: انعكاسات محلية وإقليمية ودولية
إذا تأكدت هذه المزاعم، فإن اغتيال لونا الشبل يمثل رسالة واضحة لكل من يفكر في تجاوز الخطوط الحمراء داخل النظام السوري. إنه يؤكد على الطبيعة القمعية للنظام واستعداده لتصفية حتى أقرب المقربين إليه للحفاظ على سرية معلوماته وسلطته المطلقة. هذا يزيد من حالة الخوف والترهيب داخل الأوساط الموالية والمعارضة على حد سواء، ويقوض أي محاولات لإظهار النظام بصورة أكثر انفتاحًا أو استقرارًا.
على الصعيد الإقليمي والدولي، تسلط القضية الضوء على التنافس الخفي بين القوى الإقليمية والدولية الفاعلة في سوريا، وخاصة روسيا وإيران. علاقة الشبل المزعومة بروسيا والاتهامات الإيرانية لها بالتجسس تشير إلى صراع نفوذ عميق على المستويات العليا من السلطة. كما أن الكشف عن “أسرار خطيرة” تتعلق بالأسد يمكن أن يكون له تداعيات على مكانته الإقليمية والدولية، خاصة في ظل محاولات بعض الدول العربية لإعادة تطبيع العلاقات معه. الحادثة تعزز السردية القائلة بأن النظام السوري لا يزال يمثل تهديدًا للاستقرار الإقليمي، وأن آليات عمله الداخلية لا تزال تتسم بالغموض والعنف، مما يعقد جهود الحل السياسي للأزمة السورية.
خاتمة
تبقى قضية مقتل لونا الشبل محاطة بالغموض، لكن التسريبات الأخيرة تفتح الباب أمام فهم أعمق لديناميكيات السلطة في سوريا. إنها تذكير بأن حتى الشخصيات الأكثر قربًا من مراكز القوة قد تكون عرضة للخطر عندما تتعارض مصالحها أو معرفتها مع أجندات النظام. التحقيقات المستقلة، إن أمكن إجراؤها يومًا ما، قد تكشف الحقيقة الكاملة وراء هذه الحادثة المأساوية التي تعكس جانبًا مظلمًا من الصراع السوري المستمر، وتؤكد على الحاجة الملحة للمساءلة والعدالة في بلد مزقته الحرب.


