spot_img

ذات صلة

ماكرون يحذر من عالم بلا قواعد وتآكل القانون الدولي في دافوس

في خطاب لافت خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، أطلق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تحذيراً شديد اللهجة بشأن مستقبل النظام العالمي، مؤكداً أن العالم يشهد تحولاً خطيراً يبتعد فيه عن مبادئ القانون الدولي والقواعد التي تحكم العلاقات بين الدول.

تأتي تصريحات ماكرون في سياق منتدى دافوس، الذي يُعقد سنوياً في سويسرا، ويُعد ملتقى عالمياً يجمع قادة السياسة والأعمال والمجتمع المدني لمناقشة أبرز التحديات والقضايا التي تواجه العالم. إن اختيار ماكرون لهذا المحفل الدولي لإطلاق تحذيراته يضفي عليها وزناً خاصاً، ويعكس قلقاً أوروبياً متزايداً من تآكل أسس النظام العالمي القائم على التعددية والتعاون.

وأوضح ماكرون أن هذا التحول يتجه نحو “عالم بلا قواعد، حيث يُدهس القانون الدولي بالأقدام، ويبدو أن القانون الوحيد المهم هو قانون الأقوى”. كما أشار إلى عودة ظهور ما أسماه “الطموحات الإمبريالية”، في إشارة واضحة إلى تصرفات بعض القوى الكبرى التي تسعى لفرض نفوذها خارج إطار الشرعية الدولية. هذا الوصف يعيد إلى الأذهان حقبة ما قبل الحربين العالميتين، حيث كانت القوة هي المحدد الرئيسي للعلاقات الدولية، وهو ما سعت البشرية لتجاوزه عبر إنشاء مؤسسات مثل الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية بعد عام 1945، بهدف إرساء نظام عالمي أكثر استقراراً وعدلاً.

ولم تقتصر تصريحات ماكرون على التحليل العام، بل تطرقت إلى العلاقة المتوترة مع الإدارة الأمريكية آنذاك. فقد أشار الرئيس الفرنسي إلى أنه “لا ينوي التحدث إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في دافوس، لأنه من غير المنطقي قبول نهج استعماري، وعلى أوروبا استخدام أدواتها عندما لا يتم احترامها”. هذه اللهجة الحادة تعكس عمق الخلافات بين الحليفين التقليديين، وتؤكد على سعي أوروبا لتبني استقلالية استراتيجية في مواجهة ما تعتبره سياسات أحادية الجانب تتعارض مع المصالح الأوروبية المشتركة.

وفي المقابل، كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن رسائل تلقّاها من ماكرون، اقترح فيها عقد اجتماع في باريس بعد منتدى دافوس الاقتصادي، إضافة إلى دعوة ترمب لتناول العشاء في العاصمة الفرنسية، وفق لقطات شاشة نشرها ترمب على منصته «تروث سوشيال». هذا التباين في المواقف العلنية بين الزعيمين يسلط الضوء على تعقيدات الدبلوماسية الدولية، حيث تتداخل الرسائل الرسمية وغير الرسمية مع التصريحات العامة، مما يعكس حالة من التوتر والغموض في العلاقات عبر الأطلسي.

وتأتي هذه التطورات في وقت صعّد فيه ترمب لهجته بشان غرينلاند، رابطاً بين مساعيه للسيطرة عليها وعدم فوزه بجائزة نوبل للسلام، ومهدداً بفرض رسوم جمركية واسعة على دول أوروبية إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق يسمح للولايات المتحدة بشراء الجزيرة. ورفض ترمب في مقابلة مع شبكة NBC استبعاد استخدام القوة للسيطرة على غرينلاند، مؤكداً في المقابل أن الدنمارك «غير قادرة» على حماية الجزيرة من روسيا أو الصين. هذه القضية بالذات، التي تمس سيادة دولة أوروبية (الدنمارك)، تُعد مثالاً صارخاً على النهج الذي وصفه ماكرون بـ”الاستعماري” أو القائم على “قانون الأقوى”، وتؤكد على المخاوف الأوروبية من تداعيات هذا التوجه على الاستقرار الإقليمي والدولي، وتآكل مبدأ احترام سيادة الدول.

إن دعوة ماكرون لأوروبا “لاستخدام أدواتها” ليست مجرد تحذير، بل هي دعوة للعمل لتعزيز التعددية والدفاع عن النظام القائم على القواعد. ففي عالم تتزايد فيه التحديات الجيوسياسية والاقتصادية، يصبح الحفاظ على القانون الدولي والتعاون متعدد الأطراف أمراً حيوياً لضمان الاستقرار والازدهار للجميع، وتجنب الانزلاق نحو فوضى قد تكون عواقبها وخيمة على السلم والأمن الدوليين، وتؤثر سلباً على حقوق الإنسان والتجارة العالمية.

spot_imgspot_img