spot_img

ذات صلة

ماكرون يسرّع حظر وسائل التواصل للأطفال دون 15 في فرنسا | حماية الأجيال

في خطوة جريئة وغير مسبوقة على مستوى أوروبا، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن عزمه تسريع إقرار قانون وطني يهدف إلى حظر وصول الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 15 عاماً إلى منصات التواصل الاجتماعي. يأتي هذا الإعلان ليضع فرنسا في طليعة الدول الساعية لحماية الأجيال الشابة من المخاطر المتزايدة للعالم الرقمي، ويُعد جزءاً من موجة عالمية متصاعدة لمواجهة التأثيرات السلبية لهذه المنصات على الصحة النفسية والعقلية للمراهقين.

وفي رسالة واضحة وحازمة، أكد ماكرون في مقطع فيديو أن “أدمغة أطفالنا ومراهقينا ليست للبيع. مشاعرهم ليست للبيع، ولا يجوز التلاعب بها، سواء من قبل منصات أمريكية أو خوارزميات صينية”. وشدد على أنه طلب من الحكومة إطلاق الإجراء المعجل لضمان سير العملية التشريعية بأسرع وقت ممكن، مؤكداً التزام فرنسا بحماية أطفالها من الاستغلال الرقمي.

ويهدف القانون المقترح إلى فرض عقوبات صارمة على المنصات التي تسمح للأطفال دون 15 عاماً بإنشاء حسابات، مع إلزامها بتطبيق آليات تحقق عمر دقيقة وفعالة. وستعمل الحكومة الفرنسية على تنسيق هذه الجهود مع الجهات التنظيمية الأوروبية لضمان فعالية الإجراءات وتوحيد المعايير.

تاريخ العلاقة بين الشباب ووسائل التواصل: من الانفتاح إلى القلق

شهد العقدان الأخيران تحولاً جذرياً في طريقة تفاعل الشباب مع العالم بفضل ظهور وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي. فما بدأ كأدوات للتواصل والربط بين الأفراد، سرعان ما تطور ليصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية، خاصةً للمراهقين. ومع تزايد شعبية هذه المنصات، بدأت تظهر مخاوف جدية حول تأثيراتها على الصحة النفسية والعقلية، خصوصاً مع تصميم خوارزمياتها لزيادة وقت الاستخدام والاعتماد عليها. هذه المخاوف لم تعد مقتصرة على الآباء والمعلمين فحسب، بل امتدت لتشمل الأوساط الطبية والتشريعية حول العالم، مما دفع العديد من الحكومات إلى إعادة تقييم الإطار التنظيمي للبيئة الرقمية.

لم تكن فرنسا بمعزل عن هذا القلق المتصاعد. فمنذ سنوات، بدأت الأصوات تتعالى بضرورة اتخاذ إجراءات حاسمة. وقد سبق للرئيس ماكرون أن أعلن في يناير 2023 عن خطة وطنية شاملة لحماية الأطفال على الإنترنت، تلاها في عام 2024 دعمه لمشروع قانون يلزم المنصات بمنع الأطفال دون 15 عاماً من إنشاء حسابات دون موافقة الوالدين. وفي ديسمبر 2025، أقر البرلمان الفرنسي قانوناً أولياً يفرض على المنصات تطبيق آليات تحقق العمر، لكن الإعلان الأخير عن تسريع الإجراءات يشير إلى تحول نحو حظر أكثر شمولاً وصرامة، مما يعكس إدراكاً متزايداً لضرورة التدخل الفوري.

قلق عالمي متصاعد وتأثيرات سلبية موثقة

يأتي إعلان ماكرون في سياق تصاعد القلق العالمي من الآثار السلبية لوسائل التواصل الاجتماعي على الصحة النفسية والعقلية للأطفال والمراهقين. فالدراسات الحديثة تُظهر ارتباطاً واضحاً بين الاستخدام المفرط لهذه المنصات وزيادة حالات الاكتئاب، والقلق، واضطرابات النوم، بالإضافة إلى تفاقم مشكلات التنمر الإلكتروني وتشويه صورة الذات. هذه المخاطر لا تقتصر على الجانب النفسي فحسب، بل تمتد لتشمل الجوانب الاجتماعية والأكاديمية، حيث يمكن أن يؤثر الإدمان على التحصيل الدراسي والعلاقات الأسرية والاجتماعية.

فرنسا تقود الجهود الأوروبية لحماية الصغار

على المستوى الأوروبي، تُعد فرنسا من أبرز الدول التي تضغط داخل الاتحاد الأوروبي لفرض حظر موحد أو قيود أكثر صرامة على منصات التواصل الاجتماعي. ويُناقش الاتحاد الأوروبي حالياً تعديلات على قانون الخدمات الرقمية (DSA) لفرض قيود أكثر صرامة على المنصات، خاصة فيما يتعلق بحماية القُصّر. ترى فرنسا أن المنصات الكبرى مثل “ميتا” و”تيك توك” تُسبب ضرراً كبيراً للأجيال الجديدة من خلال خوارزمياتها الإدمانية التي تستهدف جذب انتباه المستخدمين لأطول فترة ممكنة، مما يؤثر سلباً على نموهم وتطورهم.

هذا التوجه الفرنسي ليس معزولاً، فدول أخرى حول العالم تتخذ خطوات مشابهة. فقد اتخذت أستراليا قراراً بحظر وسائل التواصل لمن هم دون 16 عاماً بدءاً من عام 2026، بينما تدرس بريطانيا وإيطاليا وألمانيا إجراءات مشابهة. هذه التحركات تعكس إجماعاً متزايداً على أن شركات التكنولوجيا لم تفِ بمسؤولياتها تجاه حماية الأطفال، وأن التدخل الحكومي أصبح ضرورياً.

تأثيرات متوقعة: من فرنسا إلى العالم

من المتوقع أن يكون لهذا القانون الفرنسي، حال إقراره، تأثيرات عميقة على عدة مستويات. محلياً، سيساهم في خلق بيئة رقمية أكثر أماناً للأطفال والمراهقين الفرنسيين، مما قد ينعكس إيجاباً على صحتهم النفسية وتحصيلهم الدراسي. كما أنه سيلزم شركات التكنولوجيا بإعادة تقييم ممارساتها وتطوير آليات تحقق عمر أكثر فعالية، وهو ما قد يمثل تحدياً تقنياً وتشغيلياً كبيراً لها.

إقليمياً، يمكن أن تعزز هذه الخطوة الفرنسية من موقف الاتحاد الأوروبي في مفاوضاته مع شركات التكنولوجيا العالمية، وتدفع نحو تبني معايير موحدة لحماية الأطفال عبر القارة. فإذا نجحت فرنسا في تطبيق هذا القانون بفعالية، فقد يشجع ذلك دولاً أوروبية أخرى على تبني تشريعات مماثلة، مما يخلق سوقاً رقمياً أكثر تنظيماً وأماناً للأطفال في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي. دولياً، قد تصبح فرنسا نموذجاً يحتذى به، مما يدفع دولاً أخرى خارج أوروبا إلى تسريع جهودها التشريعية في هذا المجال، ويفتح نقاشاً أوسع حول أخلاقيات التصميم الرقمي ومسؤولية الشركات تجاه المستخدمين الصغار.

ومن المتوقع أن يُقر البرلمان الفرنسي النسخة النهائية من القانون خلال الأشهر القليلة القادمة، وسط ترحيب واسع من منظمات حماية الطفل والخبراء في الصحة النفسية، بينما قد تواجه انتقادات من شركات التكنولوجيا التي ترى فيه تقييداً لحرية التعبير والوصول إلى المعلومات، رغم أن الهدف الأساسي هو حماية الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع.

spot_imgspot_img