في تصريحات حادة تعكس عمق الخلافات بين ضفتي الأطلسي، وصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بأنها “معادية بشكل علني” لأوروبا، متهماً إياها بالسعي لتفكيك الاتحاد الأوروبي. ودعا ماكرون في سلسلة من المقابلات الصحفية إلى ضرورة بناء هيكل أمني أوروبي جديد يشمل روسيا، وتعزيز السيادة الاقتصادية للقارة لمواجهة هيمنة الدولار والتحديات العالمية.
سياق متوتر في العلاقات عبر الأطلسي
تأتي تصريحات ماكرون في ذروة فترة من التوتر غير المسبوق في العلاقات بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين التقليديين. فمنذ وصوله إلى السلطة، تبنى دونالد ترامب سياسة “أمريكا أولاً” التي أدت إلى انسحاب واشنطن من اتفاقيات دولية رئيسية يدعمها الاتحاد الأوروبي، مثل الاتفاق النووي الإيراني واتفاقية باريس للمناخ. كما فرضت إدارته رسوماً جمركية على واردات الصلب والألومنيوم الأوروبية، وهددت بفرض رسوم إضافية على قطاعات حيوية أخرى، مما أشعل فتيل حرب تجارية أثرت على اقتصادات الجانبين. هذا النهج الصدامي، إلى جانب انتقادات ترامب المتكررة لحلف شمال الأطلسي (الناتو) ومطالبته الدول الأوروبية بزيادة إنفاقها الدفاعي، زرع بذور الشك في مدى التزام واشنطن بأمن أوروبا، ودفع قادة مثل ماكرون إلى الدعوة لـ”استقلالية استراتيجية” أوروبية.
دعوة لسيادة أوروبية شاملة
شدد ماكرون على أن الاتحاد الأوروبي بحاجة ماسة لاتخاذ موقف أكثر صرامة وحزماً تجاه واشنطن، محذراً من أن محاولات التوصل إلى تسويات لم تنجح. وقال في مقابلة مع صحف “لوموند” و”فايننشال تايمز” و”إل باييس”: “عندما يكون هناك عمل عدائي واضح، لا ينبغي أن ننحني أو نحاول التوصل إلى تسوية. لقد جربنا هذه الاستراتيجية لأشهر، ولم تنجح”. وأكد أن الصدام مع واشنطن قادم لا محالة، خاصة في ملف تنظيم الخدمات الرقمية، حيث يسعى الاتحاد الأوروبي لفرض ضرائب على عمالقة التكنولوجيا الأمريكيين، وهو ما قد يدفع واشنطن لفرض رسوم جمركية جديدة.
نحو هيكل أمني واقتصادي جديد
لم تقتصر دعوات ماكرون على الجانب السياسي، بل امتدت لتشمل رؤية متكاملة لأوروبا أكثر قوة. فقد جدد دعوته إلى إصدار سندات دين أوروبية مشتركة (سندات اليورو)، معتبراً أنها ستمكن القارة من تمويل استثمارات ضخمة وتحدي هيمنة الدولار الأمريكي عالمياً. وعلى الصعيد الأمني، طرح فكرة جريئة بضرورة “إنشاء بنية أمنية جديدة في أوروبا بمشاركة روسيا”، في محاولة لإعادة بناء حوار استراتيجي يضمن الاستقرار في القارة بأكملها، بدلاً من الاعتماد الكلي على المظلة الأمنية الأمريكية التي أصبحت محل تشكيك. هذه الدعوات تعكس قناعة أوروبية متزايدة بأن على الاتحاد الأوروبي أن يأخذ مصيره بيده في عالم متغير، وأن يصبح قطباً فاعلاً قادراً على الدفاع عن مصالحه وقيمه في مواجهة القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين.


