في خطوة استراتيجية تعكس التزام المملكة العربية السعودية بتعزيز مكانتها كمركز لوجستي عالمي، أعلنت الهيئة العامة للموانئ «موانئ» عن استحواذ مجموعة ميرسك العالمية، عبر ذراعها المتخصص في تشغيل المحطات، شركة APM Terminals، على حصة بنسبة 37.5% في محطة الحاويات الجنوبية بميناء جدة الإسلامي. هذا الاستحواذ يمثل نقطة تحول محورية، حيث يجعل من ميناء جدة الإسلامي إحدى أهم البوابات الاستراتيجية لميرسك لتعزيز الربط الفعال بالأسواق المحلية والإقليمية، وتوسيع نطاق شبكتها البحرية العالمية المترامية الأطراف.
يأتي هذا التطور في سياق رؤية السعودية 2030 الطموحة، التي تهدف إلى تنويع مصادر الدخل الوطني وتقليل الاعتماد على النفط، مع التركيز بشكل كبير على تطوير القطاعات غير النفطية مثل الخدمات اللوجستية والنقل. لطالما كان ميناء جدة الإسلامي، بفضل موقعه الجغرافي الفريد على ساحل البحر الأحمر، شريانًا حيويًا للتجارة العالمية منذ قرون. فالبحر الأحمر ليس مجرد ممر مائي، بل هو محور يربط بين قارات آسيا وأفريقيا وأوروبا، مما يجعله نقطة التقاء حيوية لسلاسل الإمداد الدولية. هذا التاريخ العريق لميناء جدة كبوابة للحرمين الشريفين ومركز تجاري إقليمي، يتجدد اليوم ليصبح لاعبًا أساسيًا في المشهد اللوجستي العالمي الحديث.
إن اندماج محطة الحاويات الجنوبية ضمن المنظومة التشغيلية لميرسك وخدماتها المباشرة سيسهم بشكل كبير في رفع مستوى الترابط البحري للمملكة مع الموانئ الإقليمية والدولية. هذا التكامل يعزز من مرونة وسرعة حركة التجارة عبر المملكة، مما يتيح وصولاً أسرع وأكثر كفاءة للبضائع إلى مختلف الأسواق العالمية والمحلية. بالنسبة لميرسك، الشركة الرائدة عالمياً في مجال الشحن والخدمات اللوجستية، فإن هذا الاستحواذ يمثل تعزيزاً لتواجدها الاستراتيجي في منطقة حيوية، مما يمكنها من تقديم حلول لوجستية متكاملة ومبتكرة لعملائها.
من المتوقع أن تسهم هذه الشراكة الاستراتيجية في ترسيخ مكانة ميرسك في ميناء جدة الإسلامي، مما سيؤدي إلى زيادة ملحوظة في أعداد السفن التي ترسو بالميناء وحاويات المسافنة (Transshipment). كما سيجذب هذا التعاون المزيد من الخطوط الملاحية التابعة لميرسك وشركائها، مما يعزز بلا شك مكانة ميناء جدة الإسلامي كمحور رئيسي للتجارة والمسافنة على ساحل البحر الأحمر. هذا التوسع في القدرات التشغيلية والشبكة اللوجستية سيترجم إلى فرص اقتصادية جديدة، بما في ذلك خلق وظائف وتطوير الكفاءات المحلية في قطاع حيوي ومتنامي.
يؤكد هذا التطور البارز جاذبية موقع المملكة العربية السعودية كمركز لوجستي عالمي ومحور استراتيجي لربط القارات الثلاث. إنه يدعم بشكل مباشر تحقيق مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية، التي تسعى إلى تحويل المملكة إلى منصة لوجستية عالمية رائدة. كما يساهم في تحقيق أهداف رؤية السعودية 2030 من خلال توسيع الربط الملاحي الدولي وتعزيز تكامل المملكة مع سلاسل الإمداد العالمية، مما يعزز من قدرتها التنافسية على الصعيدين الإقليمي والدولي. هذا الاستثمار يعكس الثقة الدولية في البيئة الاستثمارية للمملكة وفي قدرتها على تحقيق أهدافها التنموية الطموحة.
تضم محطة الحاويات الجنوبية في ميناء جدة الإسلامي خمسة أرصفة متطورة مخصصة لمناولة الحاويات، وتتمتع بطاقة استيعابية هائلة تبلغ 4.1 مليون حاوية قياسية (TEU). ويعد ميناء جدة الإسلامي، الأكبر على ساحل البحر الأحمر، ركيزة أساسية في تعزيز ريادة المملكة في القطاع البحري. فبفضل موقعه الاستراتيجي الذي يخدم طرق التجارة الرئيسية، واحتوائه على 62 رصيفًا متعدد الأغراض، يتمتع الميناء بمكانة محورية لا غنى عنها على المستويين الإقليمي والدولي، مما يجعله شريكًا طبيعيًا لعمالقة الشحن مثل ميرسك في سعيها لتوسيع نفوذها العالمي.


