spot_img

ذات صلة

منتدى مكة للحلال: السعودية مركز عالمي لصناعة الحلال

شهدت مكة المكرمة، قلب العالم الإسلامي النابض، انطلاق أعمال النسخة الثالثة من منتدى مكة للحلال، برعاية وحضور معالي وزير التجارة الدكتور ماجد بن عبدالله القصبي. هذا الحدث البارز، الذي تنظمه مبادرة “منافع” تحت شعار “الحلال صناعة احترافية”، يعقد خلال الفترة من 14 إلى 16 فبراير في مركز غرفة مكة المكرمة للمعارض والفعاليات. ويأتي المنتدى ليؤكد على الأهمية المتزايدة لقطاع الحلال عالمياً، مستقطباً نخبة من القيادات الدولية الرفيعة، وممثلي الجهات الاقتصادية، والهيئات التنظيمية، والمؤسسات المعنية بصناعة الحلال من مختلف دول العالم، مما يعكس التوجه الاستراتيجي للمملكة لترسيخ مكانتها كمركز عالمي رائد في هذا المجال الحيوي.

تُعد صناعة الحلال قطاعاً اقتصادياً ضخماً ومتنامياً على مستوى العالم، حيث تتجاوز قيمتها تريليونات الدولارات سنوياً، وتشمل مجموعة واسعة من المنتجات والخدمات، من الأغذية والمشروبات إلى مستحضرات التجميل والأدوية والخدمات المالية والسياحة. ومع تزايد أعداد المستهلكين المسلمين حول العالم، الذين يتجاوز عددهم 1.9 مليار نسمة، تتزايد الحاجة إلى منتجات وخدمات موثوقة تتوافق مع الشريعة الإسلامية. لطالما كانت المملكة العربية السعودية، بفضل مكانتها الدينية المحورية ووجود الحرمين الشريفين، مركزاً روحياً للمسلمين، وهي الآن تسعى لتحويل هذه المكانة إلى ريادة اقتصادية في قطاع الحلال، مستفيدة من موقعها الجغرافي الاستراتيجي وقدرتها على ربط الأسواق الشرقية بالأسواق الغربية.

في كلمته الافتتاحية، أكد معالي وزير التجارة الدكتور ماجد القصبي أن “شعار المنتدى يجسِّد التحول النوعي لقطاع الحلال من سوقٍ متنامٍ إلى صناعة متكاملة تُدار بمعايير الجودة والحوكمة والشفافية”. وأشار معاليه إلى أن المملكة تبّنت نهجاً إستراتيجياً لترسيخ مكانتها كمركز عالمي لصناعة الحلال عبر منظومة تشريعية ورقابية متطورة، مؤكداً التزام وزارة التجارة بتوفير بيئة تنافسية تدعم الابتكار والنمو لرواد الأعمال في هذا القطاع الحيوي. هذا التوجه يتماشى تماماً مع أهداف رؤية السعودية 2030 الطموحة، التي تسعى لتنويع مصادر الدخل الوطني وتعزيز مكانة المملكة الاقتصادية على الساحة الدولية.

من جانبه، أوضح رئيس الغرفة الإسلامية للتجارة والتنمية ورئيس مجلس إدارة اتحاد الغرف التجارية السعودية ورئيس مجلس إدارة غرفة مكة المكرمة، الأستاذ عبدالله صالح كامل، في كلمته، أن “منتدى مكة للحلال انتقل في نسخته الثالثة من منصة للحوار إلى منصة للقرار، وأنه لم يولد ليكون حدثاً عابراً، بل ليكون منصة دولية مؤثرة، تُعيد تعريف صناعة الحلال، وتضع لها مستقبلاً يليق بحجمها وتأثيرها في الاقتصاد العالمي”. وأكد أن الحلال ليس مجرد صناعة، بل رؤية عالمية توازن بين القيم والنمو، وأن انعقاد هذا المنتدى في مكة المكرمة هو العنوان الأصدق لصناعة تقوم على النزاهة، والجودة، والشفافية والالتزام، وهي القيم ذاتها التي يبحث عنها المستهلك العالمي اليوم قبل أي وقتٍ مضى، مما يضفي بعداً روحياً وأخلاقياً على التطلعات الاقتصادية.

تُشكل رؤية السعودية 2030 إطاراً شاملاً لتحقيق هذه الطموحات، حيث تهدف إلى بناء اقتصاد مزدهر ومتنوع لا يعتمد فقط على النفط. وفي هذا السياق، تبرز صناعة الحلال كأحد الركائز الأساسية لتحقيق التنويع الاقتصادي، وتعزيز الصادرات غير النفطية، وجذب الاستثمارات الأجنبية. إن سعي المملكة لتصبح مركزاً عالمياً لصناعة الحلال لا يقتصر على الجانب الاقتصادي فحسب، بل يمتد ليشمل تعزيز الثقة في المنتجات الحلال على مستوى العالم، وتوحيد المعايير، وتقديم نموذج يحتذى به في الجودة والشفافية. هذا الدور الريادي يعزز من مكانة المملكة كقوة اقتصادية مؤثرة ومركز إسلامي عالمي.

وشهد حفل الافتتاح الإعلان عن إطلاق “أكاديمية حلال”، التي تهدف إلى تطوير الكفاءات والخبرات في هذا القطاع، وتقديم برامج تدريبية متخصصة ترفع من مستوى الاحترافية والجودة. إلى جانب ذلك، تم تدشين شعار “حلال الذهبي” الذي ينطلق من مكة المكرمة ليكون علامة ثقة للمستهلك، ويعكس أعلى معايير الجودة والالتزام في صناعة الحلال. ويأتي إطلاق الأكاديمية والشعار الجديد في إطار توجه المنتدى نحو تعزيز البُعد المؤسسي والاحترافي للقطاع، وترسيخ معايير واضحة تُسهم في بناء الثقة وتعزيز موثوقية المنتجات الحلال في الأسواق المحلية والعالمية، مما يضمن للمستهلكين حول العالم الحصول على منتجات موثوقة ومتوافقة مع الشريعة.

وشهدت أعمال المنتدى حراكاً اقتصادياً وتنظيمياً مكثفاً، إذ رعى وزير التجارة مراسم توقيع الهيئة العامة للغذاء والدواء مذكرة تفاهم مع وكالة ضمان المنتجات الحلال في جمهورية إندونيسيا، أكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان، وذلك لضمان جودة المنتجات الحلال وتسهيل التبادل التجاري. كما تم توقيع مذكرة تفاهم مع المجلس المركزي الإسلامي في مملكة تايلند؛ لتعزيز التعاون في مجالات الحلال. وتمثِّل هذه الاتفاقيات خطوة إستراتيجية نحو توحيد المعايير، وتعزيز موثوقية الاعتماد، وتوسيع نطاق الاعتراف الدولي بالشهادات الصادرة من المملكة، مما يفتح آفاقاً جديدة للشركات السعودية في الأسواق العالمية ويسهم في تعزيز مكانة المملكة كمرجع عالمي في مجال شهادات الحلال.

ويعكس الحضور الدولي الواسع، بمشاركة جهات وشركات من دولٍ رائدة في صناعة الحلال مثل الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة والبرازيل وماليزيا وتركيا، المكانة المتنامية للمملكة باعتبارها منصة التقاء للاستثمار المستدام في قطاع الحلال، ومحوراً للتكامل الاقتصادي بين الأسواق الإقليمية والعالمية. ويؤكد منتدى مكة للحلال 2026 دوره كمنصة إستراتيجية تجمع بين الفكر الاقتصادي، والمعايير التنظيمية، والتمكين المؤسسي، والابتكار التقني، بما يُعزِّز تموضع المملكة لاعباً رئيسياً في الاقتصاد العالمي وصناعة الحلال، ويُترجم التزامها بتطوير هذا القطاع الحيوي على المستويين الإقليمي والدولي؛ انسجاماً مع رؤية السعودية 2030 الطموحة التي تسعى لتحقيق التنمية الشاملة والمستدامة.

spot_imgspot_img