spot_img

ذات صلة

مرحب مرحب يا هلال: نجاح معاصر وإرث رمضاني عريق

يتجاوز سحر الأغاني الرمضانية كونها مجرد تقليد موسمي عابر، لتتحول إلى ظاهرة ثقافية متجددة تعيد تشكيل علاقة المستمع بروح الشهر الكريم وإيقاعه الخاص. وفي قلب هذا التحول، برز لحن نجم «ستار أكاديمي» بشار الشطي في أغنية «مرحب مرحب يا هلال»، بصوت الفنان حمود الخضر وكلمات هبة مشاري، كعمل فني رسخ حضوره خلال السنوات الأخيرة حتى غدا أيقونة رمضانية ثابتة في ذاكرة الجمهور العربي. لقد حققت هذه الأغنية انتشاراً واسعاً، وأصبحت جزءاً لا يتجزأ من الأجواء الاحتفالية الرمضانية، مما يؤكد قدرة الفن على التجدد مع الحفاظ على جوهره.

هذا الحضور المتجدد لا يقتصر على النجاح الجماهيري المعاصر فحسب، بل يفتح باب المقارنة مع زمن سابق كانت فيه الأغنية جزءاً أصيلاً من مشروع الرواد في الموسيقى السعودية والعربية. فلقد قدم كل من سراج عمر وطارق عبدالحكيم أعمالاً متعددة صاغت وجدان الشهر الكريم بلغة المقام والإنشاد، في سرد تاريخي يكشف كيف تغيرت الأدوات وتبدلت النجومية، بينما ظل اللحن الخالد هو القاسم المشترك بين زمنين. هذا التفاعل بين الحاضر والماضي يبرز عمق التراث الموسيقي العربي وقدرته على إلهام الأجيال المتعاقبة.

في التجربة الغنائية السعودية، يندر أن يقترن اسم موسيقي بموسم روحي كما اقترن اسم الموسيقار الراحل سراج عمر برمضان. لم يكن بصفته ملحناً عابراً قدم عملاً أو عملين، بل باعتباره صوتاً جعل من الشهر الكريم فضاءً دائماً للبحث الموسيقي والتأمل اللحني. حتى بدا حضوره في الأغاني والأناشيد الرمضانية امتداداً طبيعياً لمسيرته الفنية، لا فصلاً منفصلاً عنها. يمتد الرصيد الرمضاني المرتبط بألحان سراج عمر عبر مجموعة أعمال تحمل سمات مشتركة في البناء اللحني والهوية الفنية له، منها: «شهر الصيام» و«يا ليالي رمضان» و«شهر التقى»، التي شكل فيها مع الشاعر الأديب الراحل أحمد با عطاب ثنائية خاصة حيث غناها جميعها بنفسه، إلى جانب «هنيئاً هنيئاً» بصفته آخر عمل لحنه وغناه مع الشاعر الراحل ضمن السياق الرمضاني.

كما غنى «يا فرحنا برمضان» من كلمات صديقه الكاتب الراحل محمد رجب، وقدم لحن «تحية رمضان» بكلمات صالح أبو زيد، وغناء خالد مدني. وفي سياق الأغاني ذاتها، برز حضور الموسيقار الراحل طارق عبدالحكيم عبر عدد من الأعمال التي جمع فيها بين التلحين والغناء، من بينها نشيد «نور الهدى برمضان» بكلمات سعيد الهندي، وألحان وغناء طارق عبدالحكيم، ضمن بنية لحنية تتكئ على المقام الشرقي والإيقاع الجماعي في الأداء الكورالي، بما يعكس طبيعة المعالجة الموسيقية التي ميزت أعماله في هذا اللون الروحي. هذه الأعمال لم تكن مجرد أغانٍ، بل كانت تعبيراً فنياً عميقاً عن الروحانية والاحتفال بالشهر الفضيل، مما أثرى المشهد الموسيقي العربي بشكل كبير.

تعكس هذه الأعمال مجتمعة حضوراً متكرراً لرواد الفن السعودي في الأغنية والأنشودة، وهو حضور يشير إلى اهتمام فني مستمر بهذا المسار ضمن تجربتهم الموسيقية في تلك الحقبة، على نقيض جيل اليوم الذي سلم الراية للجهات التجارية أو القنوات التي تصدت لهذا الدور بالترويج لعلامتها التجارية بفواصل غنائية دعائية، كما هو الحال مع أغنية ماجد المهندس «رجعتك يا رمضان»، التي اليوم هي في قلب المشهد الرمضاني أيضاً، وضمن الأكثر رواجاً وارتباطاً برمضان. كما برزت عدة أسماء فنية بتقديم أعمال غنائية تعبر عن وجدان الشهر الكريم، حيث يظهر اسم محمود خان مقروناً بنشيد «آنست وهليت يا رمضان»، وعبدالقادر حلواني، وسمير الوادي، ومحمد عمر، وغيرهم. هذا الاهتمام المتواصل بالأغاني الرمضانية يؤكد أهميتها الثقافية والاجتماعية، وقدرتها على توحيد المشاعر وتعميق الروابط الروحية خلال هذا الشهر المبارك، محلياً وإقليمياً ودولياً.

spot_imgspot_img