في خطوة إنسانية بالغة الأهمية، نفّذ المشروع السعودي لنزع الألغام «مسام»، بالتعاون مع البرنامج الوطني للتعامل مع الألغام فرع المركز التنفيذي بمحافظة حضرموت، اليوم (الأحد)، أول عملية إتلاف كبرى شملت 636 قطعة من الألغام والذخائر غير المنفجرة، وذلك في مدينة المكلا الساحلية. تأتي هذه العملية ضمن الجهود الحثيثة والمستمرة لتطهير الأراضي اليمنية من مخلفات الحروب التي تشكّل تهديداً مباشراً ومميتاً لحياة المدنيين الأبرياء، وتعيق بشكل كبير عودة الحياة الطبيعية وجهود التنمية والاستقرار في المناطق المتضررة.
تنوعت المواد التي جرى إتلافها في هذه العملية بين قذائف وألغام وذخائر مختلفة العيارات، مما يعكس حجم التحدي الذي تواجهه فرق نزع الألغام. وشملت المواد المُتلفة تحديداً: 202 قذيفة عيار 37، و25 قذيفة عيار 57، و10 قذائف مضادة للدبابات عيار 100، و22 قذيفة هاون عيار 82، و4 ألغام مضادة للدبابات، و66 قذيفة عيار 23، وقذيفتي هاون عيار 120، و300 طلقة، إضافة إلى 5 ألغام مضادة للدروع عيار 12.7. هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات، بل تمثل تهديدات حقيقية كانت كامنة تحت الأرض، تهدد حياة كل من يمر بها.
السياق العام والخلفية التاريخية:
تُعد اليمن واحدة من أكثر الدول تلوثاً بالألغام الأرضية والذخائر غير المنفجرة في العالم، نتيجة للصراع الدائر منذ عام 2014. لقد زرعت الألغام بشكل عشوائي وواسع النطاق في مختلف المحافظات، بما في ذلك الطرقات والمزارع والمناطق السكنية، مما حول أجزاء كبيرة من البلاد إلى حقول ألغام مميتة. هذه الألغام لا تميز بين المقاتلين والمدنيين، وتستمر في حصد الأرواح وتشويه الأجساد حتى بعد انتهاء المعارك، مما يخلق أزمة إنسانية طويلة الأمد. وقد وثقت تقارير دولية ومحلية الآلاف من الضحايا، معظمهم من الأطفال والنساء، الذين سقطوا جراء هذه المخلفات الحربية.
أهمية الحدث وتأثيره المتوقع:
تكتسب عملية الإتلاف هذه في المكلا أهمية قصوى على عدة مستويات. محلياً، تساهم في تعزيز الأمن والسلامة لسكان حضرموت والمكلا، وتفتح آفاقاً جديدة أمام المزارعين والرعاة للعودة إلى أراضيهم دون خوف. كما أنها تسهل حركة التجارة والنقل، وتدعم جهود عودة النازحين إلى ديارهم، مما يعيد نبض الحياة الطبيعية تدريجياً إلى هذه المناطق. إقليمياً ودولياً، تعكس هذه العملية الدور الإنساني المحوري للمملكة العربية السعودية، ممثلة في مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية (KSrelief) ومشروع «مسام»، في التخفيف من معاناة الشعب اليمني. إن دعم هذه المشاريع يرسخ مبدأ المسؤولية المشتركة تجاه الأزمات الإنسانية ويساهم في بناء الاستقرار الإقليمي. كما أنها تبرز الحاجة الملحة لدعم دولي أكبر لجهود نزع الألغام في اليمن، لضمان مستقبل خالٍ من هذه التهديدات.
وفي هذا الصدد، أكد مدير فرع المركز التنفيذي للتعامل مع الألغام في حضرموت، العميد صالح المحضار، أن «مسام» يُعد مشروعاً إنسانياً بحتاً يهدف إلى التطهير الكامل للأراضي اليمنية من الألغام الأرضية والذخائر غير المنفجرة التي أودت بحياة الآلاف من الأبرياء. وأشار إلى أن فرق «مسام» تعمل باحترافية عالية لزرع الأمان في المناطق المتأثرة، مؤكداً أن الألغام ومخلفات الحروب تمثّل أحد أخطر التهديدات الصامتة التي تطال المدنيين، خصوصا الأطفال والنساء وكبار السن، لما تسببه من خسائر بشرية وإعاقات دائمة، إلى جانب آثارها النفسية والاجتماعية والاقتصادية. وشدد على أن استمرار وجودها يعرقل عودة الحياة الطبيعية وجهود التنمية والاستقرار.
ونوه العميد المحضار بالدعم السخي الذي يقدمه المشروع السعودي لنزع الألغام «مسام»، مؤكداً أنه يمثل امتداداً للدور الإنساني للمملكة العربية السعودية في مساعدة اليمن على التخلص من آثار الحروب، تحت شعار «حياة بلا ألغام». واختتم حديثه بتقديم الشكر لمدير عام مشروع «مسام» أسامة القصيبي، ولمدير البرنامج الوطني للتعامل مع الألغام العميد الركن أمين العقيلي، ولمدير المركز التنفيذي للتعامل مع الألغام بمحافظة عدن العميد قائد هيثم، مثمّناً جهودهم وتعاونهم المستمر في دعم الأعمال الإنسانية وحماية أرواح المدنيين.
إن عمليات إتلاف الألغام مثل هذه لا تمثل نهاية المطاف، بل هي خطوة حاسمة نحو بناء مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً لليمن، وتؤكد على الالتزام الدولي والإقليمي بمعالجة إحدى أخطر التحديات الإنسانية التي تواجه البلاد.


