spot_img

ذات صلة

مي الجاسر: إرث حمد الجاسر الثقافي وتأثيره على الأجيال

شكل اللقاء التلفزيوني العفوي والشفاف الذي جمع المثقفة القديرة مي بنت العلامة حمد الجاسر على قناة الثقافية، حدثاً ثقافياً بارزاً أبهج المجتمع المثقف. فقد قدمت السيدة مي حديثاً عذباً وذكريات جميلة، مستعرضةً شخصيات مهمة وأحداثاً كانت شاهدة عليها، سواء في حياتها الخاصة أو في حياة والدها، علامة الجزيرة العربية، الذي لا تزال سيرته وحياته تثير شغف الكثيرين. كان حمد الجاسر، رحمه الله، مؤرخاً ونسابة سعودياً رائداً، ترك بصمة لا تُمحى في توثيق تاريخ الجزيرة العربية وعوائلها، كما يتجلى في أعماله مثل كتابه عن «باهلة القبيلة المفترى عليها»، الذي أنصف به قبيلة تعرضت للظلم.

العلامة حمد الجاسر: رائد التوثيق الثقافي والتاريخي

يُعد حمد الجاسر (1910-2000) أحد أبرز الرواد الفكريين في المملكة العربية السعودية خلال القرن العشرين. في فترة شهدت فيها المملكة تحولات عميقة وتأسيس لدولتها الحديثة، برز الجاسر كصوت أصيل للحفاظ على الهوية والتراث. لم يكن مجرد مؤرخ ونسابة، بل كان جغرافياً ولغوياً وباحثاً موسوعياً، كرس حياته لجمع المخطوطات، وتحقيق النصوص، وتوثيق الأنساب، ودراسة جغرافية الجزيرة العربية. أسس مجلة «العرب» عام 1966، التي أصبحت منبراً رائداً للدراسات التاريخية والجغرافية والأدبية، ومرجعاً لا غنى عنه للباحثين. إسهاماته لم تقتصر على الجانب الأكاديمي، بل امتدت لتشمل الدفاع عن الموروث الثقافي وتصحيح المفاهيم الخاطئة، مما جعله مرجعاً أساسياً لكل من يهتم بتاريخ المنطقة.

نشأة في ظل قامة فكرية: مي الجاسر تروي

تحدثت مي الجاسر بتفصيل عن والدها ونشأتها في ظل أب رحالة يبحث عن المعرفة والرزق، وأم عظيمة، هي هيلة العنقري أطال الله عمرها، التي تحملت مسؤولية تربية أطفالها في ظل غياب الأب وترحاله المتكرر. كانت السيدة هيلة نموذجاً للمرأة الشجاعة والقوية التي تعتمد على نفسها، وهذا ما أكسب مي شخصيتها القوية كامرأة واثقة من نفسها، محصنة بتربية مدروسة منذ الصغر. لقد كان الشيخ حمد المخطط الأساسي للنهج الذي سارت عليه أسرته، سواء في حضوره أو غيابه. وضع لبنات التربية التي أراد أن ينشأ عليها أبناؤه، وكانت الزوجة بمثابة المدير التنفيذي لتلك الخطة، ولم يكن يغفل عن الإحاطة بتفاصيل أفراد عائلته، بل سمح لهم منذ فترة مبكرة بارتياد السينما والمسرح، في خطوة جريئة ومتقدمة لعصره.

تعليم المرأة: رؤية رائدة في زمن التحديات

في زمن كان فيه تعليم المرأة في المملكة يواجه تحديات كبيرة نتيجة لظروف اجتماعية معينة، كان هم حمد الجاسر تعليم بناته. تعلمت بناته على يد الكتاتيب وأساتذة في المنزل، وتثقفن من الكتب التي كان يحضرها للبيت. وقد أعجبت الدكتورة مي بفقرة ذكرتها حول سبب عدم تعليم البنات آنذاك، قائلة: «ربما السبب كي لا يكتبن رسائل غرامية». درست مي في الكتاتيب قبل أن تذهب إلى مصر لتلقي تعليمها في الصف الرابع الابتدائي، ثم تكمل في بيروت بعد ذلك، وكانت الأقدار في كل مرة تقود مسيرة الأسرة للإقامة ببلد جديد. هذه التجربة التعليمية الفريدة، التي جمعت بين الأصالة والانفتاح، شكلت شخصية مي الجاسر وساهمت في تكوين وعيها الثقافي العميق.

تجارب الحياة والانفتاح على العالم

اللقاء كان نافذة على عفوية مي الجاسر وحديثها الشفيف، وتفاصيل طفولتها ودراستها في المراحل الابتدائية حتى الجامعة، وقصة تزويجها لنفسها لشريك حياتها الحربش، الذي كان على مقربة منها أثناء تسجيل اللقاء، وكانت تشركه حديثها كعين ثالثة مع الكاميرا والمحاور القدير محمد الخميسي. مي، التي تُعد وردة في حديقة العلامة الجاسر، كان لأسماء أبنائه الحظ من ثقافته واطلاعه، فقد كانت هي سمية الأديبة المعروفة مي زيادة. وقد جمعها بزوجها ذات الميول الثقافية التي اكتسبتها من جينات الوالد وتربيته لهم، ثم ثقافة بيت جدها لوالدتها ونشأتها فيه بالطائف. «بين غربة وأربعة أوطان تشكلت ذاكرتي»، تقول مي، مشيرة إلى إقامتها في مصر، بيروت، وأمريكا. وبين كل فصول حياتها، ظل الوطن هو الفصل الأجمل، وقد تخللت إقامتها في مصر الكثير من الأحداث التي لطالما ردد الجاسر أن الخلافات بين الدول العربية «زوبعات وستنتهي».

الوفاء والدروس المستفادة

استوقفت مي قصة وفاء العلامة حمد الجاسر للملك خالد، الذي ظل يحتفظ له بالمعروف كسبب لنجاته من العمى. فقد أصر عليه الملك خالد للذهاب لأمريكا، وبينما هو يلاحق المخطوطات وجالس في مكتبة للقراءة، نزل ماء من عينه السليمة، وقد أنقذه الطب المتقدم في كليفلاند آنذاك، ولم يفقد بصره. وصفت مي الوضع الاجتماعي في المملكة في سنوات والاختلاف الذي حصل في السبعينيات، وأكدت أنها المرأة التي لا تغريها المظاهر بقدر ما يهمها ثقافة الإنسان وتربيته وسلوكه، الإنسان الذي يحتفظ بجوهره أينما ذهب ويكون مرآة أسرته الصغيرة ووطنه الأكبر.

تأثير اللقاء وأهميته الثقافية

لم يكن لقاء الخميسي بمي الجاسر لقاء متفرداً بسيرة هذه المرأة التي شقت طريقها بتؤدة ممهورة بالعلم، محصنة بتربية وثقافة عميقة وتقاليد تجرعتها من المهد، بل كان نافذة على والدها علامة الجزيرة حمد الجاسر. إن هذا البرنامج المميز، الذي يحضر بالغائبين قليلي الظهور التلفزيوني من أصحاب الأثر، يستحق الثناء. ففي زمن تزداد فيه الحاجة إلى النماذج الملهمة، يقدم هذا اللقاء فرصة فريدة للتعرف على مسيرة رائعة يحتذى بها، ويساهم في تعزيز الوعي بالتراث الفكري السعودي. إن عائلة الجاسر تعد عائلة نموذجية للتربية الحقيقية التي تغمرها الثقة والحرية المسؤولة، وقد كان حديث مي عذباً ثرياً بسيرة رجل أحببناه ومساحات من حياته الخاصة لم نكن نعرفها. حين يزور المرء اليوم دارة الجاسر، سيرسم تصوراً مختلفاً عن كل زاوية فيه، لذلك نُصفق اليوم للإعلام الهادف، وللثقافة التي ما زالت تدور في فلك أعلامها.

spot_imgspot_img