spot_img

ذات صلة

الإعلام وتشكيل القوى العالمية: المنتدى السعودي 2026

image

في عالم يشهد تحولات جيوسياسية متسارعة وتحديات معقدة، لم يعد الإعلام مجرد مرآة تعكس الواقع، بل أصبح قوة فاعلة تشارك في هندسة هذا الواقع وتشكيل مساراته. منذ فجر التاريخ الحديث، لعبت وسائل الإعلام دوراً محورياً في صياغة الرأي العام وتوجيه السياسات، فمن الصحف التي كانت تشعل الثورات وتوحد الأمم في القرون الماضية، إلى الإذاعات التي بثت الدعاية خلال الحربين العالميتين والحرب الباردة، وصولاً إلى التلفزيون الذي نقل الأحداث مباشرة وغير طريقة تفاعل الجماهير معها. هذه الخلفية التاريخية تؤكد أن الإعلام لم يكن يوماً محايداً تماماً، بل كان دائماً أداة قوية في أيدي القوى المختلفة، سواء كانت دولاً، أو حركات سياسية، أو حتى جماعات مصالح.

مع دخولنا العصر الرقمي، تضاعف هذا الدور وتعاظمت تعقيداته. ففي ظل انتشار الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، تحولت خريطة الإعلام نفسها، وأصبح كل فرد منتجاً ومستهلكاً للمحتوى في آن واحد. هذا التحول أفرز تحديات غير مسبوقة، من سرعة انتشار المعلومات المضللة إلى صعوبة التمييز بين الحقيقة والشائعة، مما يجعل مهمة فهم دور الإعلام في تشكيل خرائط القوى العالمية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. في هذا السياق، يأتي المنتدى السعودي للإعلام 2026 ليسلط الضوء على هذا الدور الحيوي والمتطور، من خلال جلسة محورية بعنوان “الإعلام وتحولات خرائط العلاقات الدولية”، التي تضع الخطاب الإعلامي في قلب المتغيرات الجيوسياسية، وتتعامل معه بوصفه قوة لا غنى عنها في تشكيل الإدراك العام والتأثير في دوائر القرار على المستويات المحلية والإقليمية والدولية.

إن أهمية هذه الجلسة لا تقتصر على تناولها لموضوع حيوي فحسب، بل تمتد لتشمل تأثيرها المتوقع على عدة مستويات:

  • محلياً، يعكس استضافة المملكة العربية السعودية لهذا المنتدى التزامها بتعزيز دور الإعلام المسؤول والمهني، ويسهم في ترسيخ مكانتها كمركز إقليمي للحوار الفكري وتبادل الخبرات في مجال الإعلام. كما يتماشى هذا التوجه مع رؤية المملكة 2030 التي تهدف إلى بناء مجتمع حيوي واقتصاد مزدهر ووطن طموح، حيث يلعب الإعلام دوراً أساسياً في تحقيق هذه الأهداف من خلال تشكيل الوعي العام ودعم التنمية.
  • إقليمياً، يمثل المنتدى منصة فريدة لدول المنطقة لمناقشة التحديات المشتركة في المشهد الإعلامي، وتبادل أفضل الممارسات في مواجهة حملات التضليل وتعزيز السرديات الإيجابية. المنطقة العربية، التي تشهد تحولات سياسية واجتماعية واقتصادية كبيرة، بحاجة ماسة إلى إعلام واعٍ ومسؤول يسهم في استقرارها وتطورها، وتوفر هذه الجلسة فرصة لتعزيز التعاون الإعلامي الإقليمي.
  • دولياً، تسهم الجلسة في إثراء النقاش العالمي حول مستقبل الإعلام والعلاقات الدولية. ففي عالم تتزايد فيه الاستقطابات وتتداخل المصالح، يصبح فهم كيفية تأثير الرسائل الإعلامية على التفاهمات الدبلوماسية والتحالفات الاستراتيجية أمراً بالغ الأهمية. يجمع المنتدى خبراء من مختلف أنحاء العالم، مما يتيح تبادل وجهات النظر المتنوعة وتقديم حلول مبتكرة للتحديات الإعلامية العابرة للحدود، ويعزز دور المملكة كلاعب مؤثر في الحوارات الدولية الكبرى.

تستهل الجلسة نقاشاتها من فكرة محورية مفادها أن «تغيّر الخرائط يبدأ من تغيّر اللغة». هذه المقولة تلخص جوهر التحولات التي يشهدها الخطاب السياسي في عصر الإعلام الرقمي، حيث لم تعد الرسائل السياسية تُصاغ أو تُستقبل بالطريقة التقليدية. فمع هيمنة المنصات الرقمية، أصبح الإيقاع أسرع بكثير، وتواجه المؤسسات تحدياً كبيراً في ضبط سرديتها أمام جمهور عالمي متزامن، يتلقى التفاصيل لحظة بلحظة ويعيد إنتاجها عبر التفاعل اللامحدود. هنا تبرز حساسية المعنى بشكل غير مسبوق؛ فمصطلح واحد يمكن أن يرفع حرارة التوتر إلى مستويات خطيرة أو يفتح نافذة للتهدئة، وصياغة واحدة قادرة على تثبيت صورة دولة إيجابياً أو تحريك الشكوك حولها. هذا التحول الجذري يجعل فهم الخطاب السياسي جزءاً لا يتجزأ من فهم تحولات خرائط العلاقات الدولية، لأن الصورة التي يرسمها الإعلام قد تمهّد لمسارات جديدة تماماً في التفاهم أو التصعيد.

وعلى خطٍ موازٍ، تضع الجلسة قوة الخطاب الدبلوماسي وتأثيره في صناعة القرار في إطار عملي متصل بمهارات الاتصال الإستراتيجي. فالخطاب الدبلوماسي اليوم لم يعد مقتصراً على البيانات الرسمية أو اللقاءات المغلقة، بل أصبح يتطلب مهارة عالية في صياغة رسائل متعددة الطبقات: ما يُقال علناً، وما يُفهم ضمنياً، وما يصل إلى صناع القرار بوصفه مؤشراً على النوايا الحقيقية. يتصل المحور الثالث مباشرةً بهذا المعنى، حيث يناقش إستراتيجيات مواجهة حملات التضليل العابرة للحدود. التضليل، في صورته الحديثة، لا يتوقف عند حدود دولة معينة، بل يتحرك وفق منطق التأثير المتسلسل، مستنداً إلى سرعة الانتشار، وتداخل المنصات، وتعدد اللغات والثقافات. مواجهة هذا النوع من الحملات تتطلب منهجية واضحة في التحقق من المعلومات، وخطاباً متماسكاً قادراً على إقناع الرأي العام، وفهماً عميقاً لديناميات التلاعب بالسرديات. إن ظهور تقنيات الذكاء الاصطناعي والـ «ديب فيك» (Deepfake) يزيد من تعقيد هذه المعركة، مما يجعل الحاجة إلى إستراتيجيات دفاعية وهجومية في الفضاء الرقمي أمراً حتمياً.

ثم يكتمل الإطار بمحور رابع يُحافظ على صلابة البيت الإعلامي من الداخل: المهنية سلاح يحمي المؤسسات من التقلبات في مناطق الأزمات. فالمهنية ليست مجرد تفصيل إجرائي، بل هي قاعدة توازن أساسية تمنع الانزلاق إلى الاستقطاب الحاد، وتحمي الثقة بين المؤسسة الإعلامية وجمهورها عندما ترتفع الضغوط وتشتد الأزمات. في زمن تتآكل فيه الثقة بالمؤسسات التقليدية، تصبح المهنية هي الركيزة الأساسية للحفاظ على المصداقية والتأثير.

وتجمع الجلسة خبرات متنوعة تعكس طبيعة الموضوع العابرة للجغرافيا والثقافات. يشارك الدكتور جيفري ميلر، محلّل جيوسياسي وإستراتيجي من نيوزيلندا، يختص في تحليل وشرح التطورات الراهنة في العلاقات الدولية، ولا سيما المرتبطة بمنطقة الإندو-باسيفيك. تنقلاته بين ألمانيا والشرق الأوسط، إلى جانب دراسته اللغتين العربية والروسية، تضيف إلى مقاربته بعداً ثقافياً ولغوياً يساعد في تفكيك الخطاب وفهم ظلاله. كما أن حصوله أخيراً على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من University of Otago عن دراسته حول علاقات نيوزيلندا بدول الخليج في القرن الحادي والعشرين، مع الاعتراف الرسمي بها بوصفها «أطروحة استثنائية»، يمنحه زاوية بحثية دقيقة في قراءة مسارات العلاقات وتحوّلاتها.

ومن زاوية الاتصال الدبلوماسي وصناعة الصورة الوطنية، يشارك كارلوس إرنستو باريوس باوكار، رئيس المكتب الصحفي في وزارة الخارجية في البيرو، وهو دبلوماسي مهني بخبرة تتجاوز 17 عاماً في الاتصال الإستراتيجي والدبلوماسية العامة. قيادته لإستراتيجية الاتصال المرتبطة بالسياسة الخارجية، وإسهامه في تحديث السردية الاتصالية وتعزيز صورة بيرو دولياً، يقدمان نموذجاً عملياً لكيفية تحوّل الرسالة الإعلامية إلى أداة تأثير في بيئة دولية تنافسية، حيث تتقاطع السمعة مع المصالح، وتتفاعل اللغة مع القرار. ويكمل البعد الصحفي التحليلي حضور مارتن بوكسانت، رئيس قسم السياسة والاقتصاد في قناة RTL بلجيكا، بخبرة تتجاوز 20 عاماً، وإسهامه في تأسيس القناة الإخبارية البلجيكية LN24، إضافةً إلى عمله السابق في صحيفتي L’Écho وLa Libre Belgique قدرته على تبسيط القضايا المعقدة للجمهور، إلى جانب تقديمه التدريب الإعلامي والاستشارات الإستراتيجية للقيادات والمؤسسات مع تركيز على الاتصال وإدارة الأزمات والشؤون الأوروبية، تمنح الجلسة جسراً بين التحليل المهني وصناعة السرد المؤثر.

وتدير الحوار الإعلامية ومقدّمة البرامج زينة يازجي، بما يتيح مساراً منظماً للنقاش بين المدارس المختلفة: مدرسة التحليل الجيوسياسي، ومدرسة الدبلوماسية العامة، ومدرسة الصحافة السياسية والاقتصادية. هذا التنوع يرفع من قدرة الجلسة على الإمساك بجوهر الموضوع: كيف يتحول الإعلام إلى عنصر فعّال في تفسير العالم، وكيف يواكب المنتدى السعودي للإعلام هذه التحولات عبر منصة تجمع الخبرة والتحليل والممارسة.

وصفوة القول، تضع جلسة «الإعلام وتحولات خرائط العلاقات الدولية» عنواناً واسعاً لمسؤولية دقيقة تقوم على بناء خطاب قادر على الفهم قبل الإقناع، وعلى التحقق قبل الانتشار، وعلى الحفاظ على المهنية تحت الضغط. ومع تصاعد التضليل وتحوّل المنصات إلى ساحات تأثير، تتأكد قيمة هذه الجلسة داخل المنتدى السعودي للإعلام، الذي يعقد بمدينة الرياض خلال الفترة من 2 إلى 4 فبراير القادم، بوصفها مساحة تفكير في أدوات العصر: لغة السياسة، وصوت الدبلوماسية، وحصانة المؤسسات، وحدود الحقيقة في زمن السرعة. إن هذه المناقشات ليست مجرد حوارات أكاديمية، بل هي ضرورة استراتيجية لتمكين المجتمعات والدول من التنقل بفعالية في المشهد الإعلامي العالمي المعقد، وضمان أن يكون الإعلام قوة للبناء لا للهدم، وللتفاهم لا للتصعيد.

spot_imgspot_img