spot_img

ذات صلة

الإعلام قوة ناعمة: سفراء يناقشون تأثيره على العلاقات الدولية

أكد عدد من السفراء المعتمدين لدى المملكة العربية السعودية على الدور المحوري الذي يلعبه الإعلام كـ “قوة ناعمة” في تشكيل العلاقات الدولية والتأثير في السياسات الخارجية للدول. جاء ذلك خلال تصريحات سلطت الضوء على الأهمية المتزايدة للدبلوماسية الإعلامية في عصرنا الحالي، حيث تتشابك الثقافة والسياسة والتكنولوجيا لتخلق مشهدًا عالميًا معقدًا يتطلب استراتيجيات اتصال متطورة.

الإعلام والدبلوماسية الثقافية: جسور للتفاهم

في هذا السياق، أشار سفير جمهورية الهند لدى المملكة، الدكتور سهيل إعجاز خان، إلى أن الإعلام يضطلع بمهمة حيوية في توضيح أبعاد الدبلوماسية الثقافية وتعزيز الاحترام المتبادل لثقافات البلدان المضيفة. وأكد الدكتور خان أن الهدف الأسمى هو ضمان وصول الرسائل الثقافية إلى الجمهور بطريقة واضحة وصحيحة، مما يساهم في بناء صورة إيجابية وتعزيز الروابط الإنسانية. ولفت إلى أن أدوات الثقافة التقليدية والحديثة، مثل المطبخ والموسيقى والفنون، تمثل جسورًا فعالة لبناء الشراكات وصناعة صور إيجابية بين الشعوب. وشدد على ضرورة أن تراعي المنصات الإعلامية طبيعة جمهورها وتخصص المحتوى وفق اهتماماته، مع الحفاظ على الحساسيات الثقافية والشفافية التامة في الطرح، لضمان تأثير إيجابي ومستدام.

تحديات العصر الرقمي: مواجهة المعلومات المضللة

من جانبه، أكد سفير جمهورية جنوب أفريقيا لدى المملكة، موغوبو ديفيد موغابي، أن التأثير الإعلامي بات عنصرًا أساسيًا لا غنى عنه في العلاقات الدولية وصياغة السياسات الخارجية. وشدد السفير موغابي على أهمية ممارسة هذا التأثير ضمن أطر قانونية وأخلاقية واضحة ومعروفة، محذرًا بشدة من تنامي ظاهرة المعلومات المضللة (Fake News) التي تنتشر بسرعة فائقة عبر الفضاء الرقمي. وأوضح أن هذه الظاهرة تفرض تحديات متزايدة على الدبلوماسيين والإعلاميين على حد سواء في إيصال الرسائل الموثوقة والحقائق المجردة، مما يستدعي يقظة مستمرة وتطوير آليات للتحقق من المعلومات ومكافحة الشائعات.

الإعلام كأداة لتشكيل الرأي العام والنفوذ

وفي السياق ذاته، أوضح سفير مملكة إسبانيا لدى المملكة، خافيير كارباجوسا سانشيز، أن الثورة المعلوماتية الهائلة التي يشهدها العالم قد أسهمت بشكل كبير في توظيف الدبلوماسية لخدمة التوجهات السياسية وصياغة الخطابات الأيديولوجية. وأكد السفير سانشيز أن القوة الحقيقية للإعلام تكمن في قدرته الفائقة على تشكيل الرأي العام وصناعة التأثير بمختلف اتجاهاته، سواء كان ذلك على المستوى المحلي أو الإقليمي أو الدولي. ودعا إلى أهمية امتلاك فرق متخصصة في الدبلوماسية الإعلامية، تكون مؤهلة ومدربة على أعلى المستويات لإدارة الرسائل وصناعة النفوذ باحترافية عالية، بما يخدم المصالح الوطنية ويعزز التفاهم الدولي.

السياق التاريخي وتطور الدبلوماسية الإعلامية

إن مفهوم الإعلام كقوة ناعمة ليس بجديد تمامًا، فقد تطور عبر عقود. ففي القرن العشرين، لعبت الإذاعات الدولية مثل “صوت أمريكا” و”بي بي سي وورلد سيرفيس” دورًا محوريًا في الدبلوماسية العامة، حيث كانت تبث الأخبار والبرامج الثقافية لجمهور عالمي بهدف التأثير على الرأي العام وتعزيز صورة بلدانها. ومع ظهور الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، تسارعت وتيرة هذا التطور، ليصبح التأثير الإعلامي أكثر فورية وتفاعلية وشمولية. لم تعد الدبلوماسية حكرًا على القنوات الرسمية، بل امتدت لتشمل التفاعل المباشر مع الجماهير عبر المنصات الرقمية، مما يتطلب فهمًا عميقًا للثقافات المختلفة والقدرة على صياغة رسائل تتجاوز الحواجز اللغوية والثقافية.

الأهمية والتأثير المتوقع على العلاقات الدولية

إن الدور المتزايد للإعلام كقوة ناعمة يحمل أهمية بالغة على عدة مستويات. على الصعيد المحلي، يمكن للإعلام أن يعزز الوعي العام بالسياسات الخارجية ويدعم التفاهم بين الشعوب. إقليميًا، يساهم في بناء الثقة وتخفيف التوترات من خلال تبادل المعلومات والبرامج الثقافية. أما دوليًا، فهو أداة قوية لتشكيل التحالفات، التأثير على القرارات الأممية، وتعزيز القيم المشتركة. يمكن للإعلام أن يكون عاملًا حاسمًا في حل النزاعات أو، على النقيض، في تأجيجها إذا تم استخدامه بشكل غير مسؤول. لذا، فإن الاستثمار في الدبلوماسية الإعلامية الفعالة، التي ترتكز على الشفافية والمصداقية، أصبح ضرورة ملحة للدول التي تسعى لتعزيز مكانتها وتأثيرها الإيجابي في الساحة العالمية، مع التركيز على مكافحة المعلومات المضللة التي تهدد استقرار المجتمعات والعلاقات بين الدول.

spot_imgspot_img