
أكد المدير العام لمركز بحوث ودراسات المدينة المنورة، الدكتور صلاح البدير، على الأهمية القصوى لتوثيق تاريخ مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم. فالتوثيق الدقيق والمبني على المصادر الأصليّة يُعدّ حجر الزاوية في صون الجوانب العقدية والتعبُّدية والعلمية من أي محاولة للتزييف أو التحريف. وفي حوار شامل مع «عكاظ»، كشف الدكتور البدير عن الدوافع العميقة وراء تأسيس المركز، مستعرضًا مسيرته وإنجازاته.
المدينة المنورة: قلب التاريخ الإسلامي ومهد الحضارة
تُعد المدينة المنورة، ثاني أقدس البقاع في الإسلام بعد مكة المكرمة، ذات مكانة تاريخية وروحية لا مثيل لها. فإليها هاجر النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومنها انطلقت دعائم الدولة الإسلامية الأولى، لتصبح مركزًا للإشعاع الحضاري والعلمي. هذه الأهمية البالغة جعلت من تاريخها مادة خصبة للدراسة والبحث، وفي الوقت ذاته عرضتها لمحاولات التشويه أو التفسير الخاطئ عبر العصور. من هنا، تبرز الحاجة الماسة لوجود كيانات علمية متخصصة تتولى مهمة الحفاظ على هذا الإرث العظيم وتوثيقه بمنهجية علمية رصينة، وهو ما يجسده مركز بحوث ودراسات المدينة المنورة.
نشأة المركز ورؤيته الطموحة
تأسس مركز بحوث ودراسات المدينة المنورة كوقف خيري غير ربحي بموجب صك شرعي صادر عام 1418هـ، وذلك برؤية ثاقبة تهدف إلى جمع المعلومات الموثقة عن تاريخ المدينة المنورة من مختلف المصادر القديمة والحديثة. الدوافع الأساسية لإنشائه تمحورت حول دراسة هذه المعلومات وتقديمها للأجيال الحاضرة والقادمة بوسائل متنوعة، وإنشاء مكتبة متخصصة، وإقامة علاقات تعاون مع مراكز البحوث والدراسات الأخرى، بالإضافة إلى إصدار الكتب والدورات والنشرات العلمية. وقد حظي المركز منذ تأسيسه برعاية كريمة، حيث كان مؤسس الوقف الأمير عبدالمجيد بن عبدالعزيز (رحمه الله)، وتوالى على رئاسة مجلس نظارته أمراء منطقة المدينة المنورة، بدءًا بخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز إبان ولايته للعهد، مروراً بالأمراء مقرن بن عبدالعزيز، وعبدالعزيز بن ماجد، وفيصل بن سلمان، وصولاً إلى الأمير سلمان بن سلطان بن عبدالعزيز حالياً، مما يعكس الاهتمام الملكي السامي بتوثيق تاريخ المدينة المنورة.
هيكل تنظيمي شامل لخدمة البحث العلمي
يعمل المركز اليوم تحت مظلة سبع إدارات متخصصة، تضطلع كل منها بمهام محددة تسهم في تحقيق أهداف المركز. من أبرز هذه الإدارات، إدارة الشؤون العلمية التي تتولى المجال البحثي بإجراء الدراسات والبحوث الشاملة عن المدينة المنورة من كافة الجوانب، وتحقيق المخطوطات علمياً، وإعداد المعاجم والموسوعات المتخصصة، وعقد ورش العمل لتدقيق المعلومات التاريخية. أما المجال التوثيقي، فيعنى بجمع وتوثيق المصادر والمعلومات المتنوعة، بما في ذلك الوثائق والخرائط والصور والأفلام والكتب والمخطوطات والرسائل الجامعية والمقالات والروايات الشفوية، فضلاً عن القيام برحلات ميدانية لتوثيق أحداث السيرة النبوية. ويقدم المركز خدماته للباحثين والباحثات والزوار والجهات الحكومية والخاصة، ويوفر مكتبة متخصصة، ويصدر مجلة فصلية محكمة تعنى بقضايا المدينة المنورة في ماضيها وحاضرها.
تأثير المركز: محلياً، إقليمياً، وعالمياً
لا يقتصر دور مركز بحوث ودراسات المدينة المنورة على الجانب الأكاديمي البحت، بل يمتد تأثيره ليلامس جوانب متعددة على مستويات مختلفة. محلياً، يسهم المركز في تعزيز الانتماء الوطني والهوية الثقافية للأجيال، ويدعم السياحة الدينية بتوفير معلومات موثوقة للزوار. إقليمياً، يُعد المركز مرجعاً مهماً للباحثين في العالم الإسلامي، مما يعزز التفاهم المشترك للتاريخ الإسلامي. وعالمياً، يقدم المركز مصدراً موثوقاً للحقائق التاريخية، مما يسهم في مواجهة التشويه الإعلامي أو الأكاديمي، ويعزز الحوار الحضاري القائم على المعرفة الأصيلة. هذا الدور المحوري يفسر الإقبال الكبير الذي يحظى به المركز من قبل الباحثين والمهتمين، حيث يرحب بجميع فئات المجتمع والزوار من داخل الإطار الأكاديمي وخارجه.
التحول الرقمي: جسر للمعرفة العالمية
لقد أحدث التحول الرقمي نقلة نوعية في أعمال المركز، محولاً المحتوى العلمي من مواد محفوظة ومحدودة الوصول إلى محتوى منظم وقابل للبحث، ومتاح لفئات أوسع من مختلف الدول والمناطق عبر منصات رقمية معرفية متخصصة. من أبرز هذه المنصات، المستودع الرقمي الذي يضم الأبحاث والمجلات الصادرة عن المركز. كما أتاح المتجر الإلكتروني وسيلة حديثة لاقتناء إصدارات المركز، مما عزز وصول المحتوى العلمي والمعرفي إلى المهتمين بسهولة ويسر. وبذلك، لم يعد الأثر العلمي للمركز مقتصراً على الحضور المباشر، بل امتد رقمياً ليصل إلى مجتمع معرفي أوسع، مؤكداً مكانته كصرح معرفي عالمي.
إصدارات علمية فريدة ومشاريع بحثية رائدة
يحظى المركز بمتابعة وتوجيه مستمرين من أمير منطقة المدينة المنورة الأمير سلمان بن سلطان، وقد تم تدشين العديد من الكتب العلمية والموسوعات المتعلقة بالمدينة المنورة والمسجد النبوي. من أبرز هذه الإصدارات: كتاب الرحلات، وكتاب تاريخ المدينة المنورة، وكتاب التوثيق الفوتوغرافي للمسجد النبوي الشريف. وتتميز إصدارات المركز المطبوعة، التي تربو على الـ50 إصداراً، بفرادتها العلمية، حيث يخرج بعضها لأول مرة كاملاً على نسخ خطية نادرة. مثال ذلك كتاب «التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة» للحافظ السخاوي، الذي صدر في 10 مجلدات وحوى أكثر من 5000 ترجمة لأعلام سكنوا المدينة المنورة أو زاروها حتى عصر المؤلف سنة 900هـ.
منهجية علمية رصينة لمواجهة التحديات
يتعامل مركز بحوث ودراسات المدينة المنورة مع تعدد الآراء والاجتهادات البحثية في بعض القضايا التاريخية بمنهجية علمية رصينة، تعتمد على توثيق المعلومة من المصادر الأصلية، دون تحيز لرأي على آخر. هذه المنهجية تضمن تجلية الحقائق وإبانتها بكل مصداقية وموضوعية، وترد على أي تزييف قد يلحق بالجوانب العقدية والتعبدية والعلمية، سواء كان متعمداً أو غير مقصود. ويوجه الدكتور البدير نصيحة لطلبة العلم والباحثين بضرورة تقوى الله عز وجل في كل ما يدونونه، وتقديم العلم النافع المبني على الدليل الصحيح، والحذر من المرويات الموضوعة والمكذوبة. فالعلاقة بين البحث العلمي الرصين وخدمة الدين وترسيخ الوعي المجتمعي وطيدة بلا شك، حيث تنعكس مخرجات البحث العلمي الموثق إيجاباً على متلقي هذه المعلومات، مؤسسة لوعي صحيح لا زيف فيه ولا تحريف.
رؤية مستقبلية: صرح معرفي عالمي
يطمح مركز بحوث ودراسات المدينة المنورة إلى أن يكون صرحاً معرفياً عالمياً يجمع بين الريادة والتميز في مجال البحوث والدراسات المتعلقة بالمدينة المنورة. هذه الرؤية الطموحة تعكس التزام المركز بتقديم ثقافة معرفية متجددة، وتعزيز الانتماء الوطني، وبناء شراكة مجتمعية فاعلة لخدمة تاريخ المدينة المنورة وتراثها، ليظل منارة للعلم والمعرفة للعالم أجمع.


