شهدت الأسواق العالمية مؤخراً تحولاً غير مسبوق مدفوعاً بالارتفاع القياسي في أسعار الذهب منذ يناير الماضي، حيث برزت ظاهرة صهر الساعات الفاخرة كخيار استثماري بديل ومربح للعديد من التجار والمستثمرين. ومع تجاوز القيمة المعدنية للذهب المستخدم في تصنيع هذه الساعات لقيمتها السوقية كقطع قابلة للاقتناء عند إعادة البيع، اتجهت الأنظار نحو تذويب الطرز الكلاسيكية المصنوعة من الذهب الخالص لتحقيق أرباح سريعة ومباشرة دون الحاجة لانتظار مشتري الساعات التقليدي.
دوافع اقتصادية وراء صهر الساعات الفاخرة
أكد أكثر من عشرة تجار وخبراء ومستشارين استثماريين أن العلامات التجارية الفاخرة المستعملة، مثل “أوميجا” و”تاج هوير” التابعة لمجموعة LVMH العملاقة، كانت الأكثر تأثراً بهذا التحول الهيكلي في السوق. في هذا السياق، باتت بعض الطرز الذهبية تُعامل كذهب خام أكثر من كونها ساعات قابلة للاقتناء والارتداء.
وفي مثال بارز على هذا التوجه، أقدم التاجر البريطاني جون وايت من شركة “جولد تريدرز” على صهر ساعة “كونستليشن” من عيار 18 قيراطاً تعود إلى أواخر السبعينيات وكانت بحالة ممتازة. وجاء هذا القرار بعد أن بلغت قيمة الذهب الخالص في الساعة نحو 5750 جنيهاً إسترلينياً، وهو ما يزيد بنسبة 35% عن قيمتها التقديرية في المزادات العالمية والتي تراوحت بين 4000 و4500 جنيه إسترليني. وأوضح وايت أن هذه الساعة ليست حالة استثنائية، بل هي واحدة من عشرات الساعات التي صهرها هذا العام لتلبية الطلب المتزايد على المعدن الأصفر كملاذ آمن.
السياق التاريخي لتقلبات أسعار الذهب وتأثيرها
تاريخياً، لطالما اعتبر الذهب الملاذ الآمن الأبرز في أوقات الأزمات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية. ومع تصاعد التوترات التجارية والمخاوف الاقتصادية، شهدت أسعار الذهب قفزة تاريخية لتصل إلى مستوى قياسي بلغ 5600 دولار للأوقية في يناير الماضي، قبل أن تستقر حالياً قرب 4200 دولار، وهو ما يعادل ضعف متوسط سعره خلال عام 2024. هذا الارتفاع الجنوني أعاد تشكيل سلوك المستثمرين محلياً ودولياً، حيث لم يعد الذهب مجرد أداة للتحوط، بل أصبح دافعاً لتفكيك وتسييل الأصول المادية الأخرى مثل الساعات والمجوهرات القديمة التي لا تتمتع بندرة استثنائية تبرر الاحتفاظ بها.
تأثير الظاهرة على الأسواق المحلية والدولية
يشير جيمس لابدين، مؤسس وحدة الساعات المستعملة “Analog Shift” التابعة لشركة “Watches of Switzerland”، إلى أن عمليات الصهر تتركز بشكل أساسي على الساعات الحديثة المستعملة والطرز الكلاسيكية التي لا تُعد قطعاً نادرة أو ذات قيمة تجميعية عالية، مما يجعل صهرها خياراً اقتصادياً مجدياً للغاية. ويمتد هذا التحول من الأسواق الأوروبية التقليدية إلى أسواق آسيا والشرق الأوسط، حيث يرتفع الطلب على الذهب الفعلي كأداة تحوط في ظل اضطرابات الاقتصاد العالمي.
وبحسب بيانات مجلس الذهب العالمي، ارتفع إجمالي إعادة تدوير الذهب في الربع الأول بنسبة 5% ليصل إلى 366 طناً، في حين قفز الطلب على الحلي الذهبية بنسبة 31% من حيث القيمة ليبلغ 47 مليار دولار. ومع توقعات المجلس بأن يتراوح سعر الذهب هذا العام بين 5400 و6300 دولار للأوقية، فإن الضغوط التي تدفع نحو تفكيك الساعات الفاخرة مرشحة للاستمرار. هذا الأمر بدأ ينعكس سلباً على المعروض في دور المزادات العالمية الكبرى مثل “Sotheby’s” و”Christie’s”، التي تشهد انخفاضاً ملحوظاً في الساعات الذهبية الكلاسيكية المعروضة بسبب سحبها المباشر من التداول وتوجيهها نحو الصهر.


