
شهدت مدينة أبها البهية، المعروفة بجمالها الطبيعي ومكانتها الثقافية المتنامية، حدثاً فنياً بارزاً تمثل في استضافتها للمعرض الفوتوغرافي «ميموريا» (Memoria). هذا المعرض، الذي يقف وراءه عدسة الفنان المبدع محمد محتسب، جاء ليثري المشهد الثقافي في المنطقة، مقدماً تجربة بصرية فريدة تستلهم عمق التراث الإنساني. وقد أقيم المعرض برعاية كريمة من جمعية الثقافة والفنون، وبالشراكة الفاعلة مع نادي عسير الفوتوغرافي، وذلك في معرض آرت جاليري الواقع ضمن أحد المجمعات التجارية الحيوية بأبها. يأتي هذا الحدث ليؤكد على الحراك الثقافي والفني النشط الذي تشهده منطقة عسير، والتي باتت مركزاً جاذباً للمواهب والإبداعات.
رحلة بصرية في عمق الذاكرة والتراث
يُعد معرض «ميموريا» أكثر من مجرد عرض للصور؛ إنه دعوة لرحلة بصرية عميقة تستكشف التراث الإنساني الغني وتنوع الهويات الثقافية حول العالم. فكل صورة معروضة تتحول إلى ذاكرة حية نابضة، قادرة على توثيق التداخل الساحر بين الماضي العريق والحاضر المتجدد. يبرع المصور محمد محتسب في التقاط ملامح الهويات الشعبية الأصيلة وثقافات الشعوب المتعددة، مقدماً إياها في أعمال فوتوغرافية لا تعكس فقط حسّاً فنياً رفيعاً، بل أيضاً معالجة بصرية معاصرة تلامس الوجدان وتثير التأمل. هذه الأعمال ليست مجرد لقطات، بل هي قصص مرئية تحكي عن أصالة الإنسان وارتباطه بجذوره.
أبها: عاصمة للثقافة والإبداع ضمن رؤية المملكة 2030
لطالما كانت أبها، بجبالها الشاهقة وطبيعتها الخلابة، مصدر إلهام للفنانين والمبدعين. وقد تعززت مكانتها كمركز ثقافي وفني، خاصة بعد اختيارها عاصمة للسياحة العربية في سنوات سابقة، مما ساهم في تسليط الضوء على إمكاناتها الكبيرة. يأتي تنظيم معارض مثل «ميموريا» في سياق أوسع يتوافق مع أهداف رؤية المملكة 2030 الطموحة، التي تولي اهتماماً بالغاً بتنمية القطاع الثقافي والفني. تهدف الرؤية إلى إثراء الحياة الثقافية، ودعم المواهب الوطنية، وجعل المملكة وجهة عالمية للفنون والإبداع. هذه المعارض لا تساهم فقط في إبراز جماليات التصوير الفوتوغرافي، بل تعزز أيضاً من دور الفن كجسر للتواصل الحضاري والثقافي.
إن دعم جمعية الثقافة والفنون ونادي عسير الفوتوغرافي لمثل هذه المبادرات يعكس التزاماً حقيقياً بتعزيز الحراك الثقافي المحلي، وتوفير منصات للمصورين لعرض أعمالهم وتبادل الخبرات. هذه الشراكات الفاعلة هي حجر الزاوية في بناء مشهد فني مزدهر ومستدام، يتيح للجمهور فرصة التفاعل مع الفن والتعرف على مختلف أشكاله وتعبيراته.
تأثير «ميموريا» على المشهد الثقافي ودعم المواهب
لا يمثل معرض «ميموريا» حدثاً منفرداً، بل هو حلقة ضمن سلسلة متكاملة من المعارض الفنية التي دأبت المنطقة على استضافتها، والتي تسلط الضوء على تنوع الفنون البصرية. فمن سحر التصوير الفوتوغرافي، مروراً بجماليات الخط العربي الأصيل، وصولاً إلى إبداعات الفن التشكيلي المعاصر، تسعى هذه المبادرات إلى دعم الفنون البصرية بشتى أشكالها. يهدف هذا التوجه إلى تعزيز حضور التصوير الفوتوغرافي بشكل خاص في المشهد الثقافي المحلي، وإبراز قيمته كفن مستقل ووسيلة تعبير قوية.
إن الأهمية المتوقعة لمعرض «ميموريا» تتجاوز كونه مجرد عرض فني. فعلى الصعيد المحلي، يسهم المعرض في إثراء الذائقة الفنية للجمهور، ويشجع المواهب الشابة على الانخراط في مجال التصوير. كما أنه يعزز من مكانة أبها كوجهة ثقافية وسياحية، ويخلق حراكاً اقتصادياً وثقافياً حول الفعاليات الفنية. أما على الصعيد الإقليمي والدولي، فيقدم المعرض نافذة للعالم على عمق التراث السعودي والإنساني، ويعكس صورة إيجابية عن التطور الثقافي والفني في المملكة، مما قد يفتح آفاقاً للتعاون الفني وتبادل الخبرات مع فنانين ومؤسسات ثقافية عالمية. إنه يسهم في ترسيخ الصورة الفوتوغرافية ليس فقط كأداة للتوثيق والجمال، بل كلسان حال يعبر عن الهوية والتاريخ والتطلعات الإنسانية المشتركة.


