spot_img

ذات صلة

صراع الشرق الأوسط وتأثيره على السياسة النقدية الأمريكية

خيّم الضباب الجيوسياسي الناتج عن صراع الشرق الأوسط بظلاله الكثيفة على أروقة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، مما أحدث انقساماً لافتاً في رؤى وتوجهات صانعي القرار بشأن السياسة النقدية الأمريكية ومستقبل أسعار الفائدة. في هذا التوقيت الحرج، باتت “صدمة العرض” النفطية المحتملة هي المتغير الأقوى والأكثر تأثيراً في معادلة التوقعات الاقتصادية حتى عام 2026، مما يضع البنك المركزي الأمريكي أمام تحديات غير مسبوقة لموازنة النمو والسيطرة على التضخم.

جذور التوترات وتاريخ السياسة النقدية الأمريكية مع الأزمات

تاريخياً، لطالما كانت منطقة الشرق الأوسط نقطة ارتكاز حيوية للاقتصاد العالمي، حيث أدت الصراعات السابقة في المنطقة، مثل أزمة النفط في السبعينيات، إلى صدمات عنيفة في إمدادات الطاقة. هذه الخلفية التاريخية تجعل البنوك المركزية العالمية، وعلى رأسها الفيدرالي الأمريكي، في حالة تأهب قصوى عند اندلاع أي توترات إقليمية. إن اضطراب سلاسل التوريد وارتفاع تكاليف الشحن لا يؤثران فقط على أسعار الوقود، بل يمتدان ليشملان تكلفة السلع الأساسية، مما يعقد مسار السياسة النقدية الأمريكية ويجعل من الصعب التنبؤ بالخطوات المستقبلية للسيطرة على التضخم دون الإضرار بالنمو الاقتصادي.

تباين الرؤى داخل الفيدرالي حول مسار الفائدة

في ظل حالة عدم اليقين الحالية، برزت تصريحات متباينة من كبار مسؤولي الفيدرالي. فقد صرح عضو مجلس المحافظين، كريستوفر والر، في مقابلة مع شبكة “سي إن إن”، بأن ضبابية مسار الصراع تستوجب توخي الحذر الشديد من قبل الفيدرالي. وأكد أن الارتفاع الكبير في أسعار الطاقة يمثل خطراً جوهرياً قد يدفع معدلات التضخم للبقاء فوق المستوى المستهدف البالغ 2%. في المقابل، أعربت نائبة رئيس مجلس المحافظين للرقابة، ميشيل بومان، في تصريحات لـ “فوكس بيزنس”، عن قلقها المستمر بشأن تباطؤ سوق العمل. وكشفت عن توقعاتها بإجراء ثلاثة تخفيضات في أسعار الفائدة قبل نهاية عام 2026 لدعم التوظيف، وهو توجه “تيسيري” يخالف آراء العديد من زملائها الذين يميلون للتشديد.

صدمة الطاقة وتحديات الاستهلاك المحلي

من جهته، وصف رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، الوضع الحالي بأنه “وضع صعب” يفرض ضرورة موازنة المخاطر بدقة. وأشار إلى أن الاجتماع الأخير شهد مناقشات حول احتمالية التوجه نحو رفع أسعار الفائدة إذا لزم الأمر. وحذر باول من أن الاقتصاد الأمريكي يواجه حالياً “صدمة طاقة” لا يُعرف حجمها أو مدتها حتى الآن، مؤكداً أن استمرار ارتفاع أسعار الوقود لفترة طويلة سيؤثر بشكل مباشر وسلبي على معدلات الاستهلاك في الولايات المتحدة. ورغم أن الفيدرالي لا يمتلك توقعات محددة لأسعار النفط لما بعد الحرب، إلا أنه يراقب عن كثب آثار تعطل السلع الأخرى غير النفطية العالقة في مضيق هرمز وتأثيرها على المستهلك الأمريكي.

التداعيات المتوقعة على المستويين المحلي والدولي

على الصعيد المحلي، كشف باول أن التقديرات تشير إلى بلوغ معدل التضخم السنوي لأسعار الإنفاق الشخصي 2.8%، والإنفاق الشخصي الأساسي 3.0% لشهر فبراير الماضي. كما لفت إلى تراجع مستويات خلق الوظائف في القطاع الخاص الأمريكي وصولاً إلى مستوى الصفر تقريباً. ورغم زيادة توقعات التضخم على المدى القريب، جدد باول التزامه بالوصول إلى مستهدف 2%، مشدداً على متانة الاقتصاد الأمريكي. أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن بقاء أسعار الفائدة الأمريكية مرتفعة لفترة أطول نتيجة لهذه التوترات سيؤدي إلى قوة الدولار، مما يفرض ضغوطاً هائلة على عملات الأسواق الناشئة ويزيد من تكلفة خدمة الديون العالمية، لتصبح تداعيات صراع الشرق الأوسط عابرة للقارات ومؤثرة على استقرار النظام المالي العالمي بأسره.

spot_imgspot_img