تتزايد حدة التوتر في منطقة الشرق الأوسط، مع تصاعد المؤشرات على احتمال مواجهة عسكرية وشيكة بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، وإيران من جهة أخرى. هذه التطورات المتسارعة، التي تشمل تحركات عسكرية أمريكية، وإغلاق إيران لمجالها الجوي، واستنفار أمني في إسرائيل وبعض دول الخليج، تعكس قلقاً إقليمياً ودولياً عميقاً من انزلاق الأوضاع نحو تصعيد واسع النطاق قد تتجاوز تداعياته حدود إيران لتطال أمن واستقرار المنطقة بأكملها، بل وقد تمتد لتؤثر على الاقتصاد العالمي.
خلفية تاريخية: عقود من التوتر وتصعيد مستمر
لفهم السياق الحالي، من الضروري العودة إلى جذور التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، والذي يعود لعقود مضت، تحديداً منذ الثورة الإيرانية عام 1979. شهدت العلاقات بين البلدين فترات من الصراع المباشر وغير المباشر، وتصاعدت بشكل ملحوظ بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة – JCPOA) عام 2018، وتبني إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب سياسة “الضغط الأقصى” على طهران. هذه السياسة تضمنت فرض عقوبات اقتصادية صارمة، وتهديدات عسكرية متبادلة، مما أدى إلى سلسلة من الحوادث الخطيرة، مثل الهجمات على ناقلات النفط في الخليج، واستهداف منشآت نفطية سعودية، وإسقاط طائرة استطلاع أمريكية مسيرة، واغتيال قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني عام 2020، وما تلاها من رد إيراني باستهداف قواعد أمريكية في العراق. كما أن إسرائيل، الحليف الرئيسي للولايات المتحدة في المنطقة، تخوض صراعاً مباشراً مع إيران ووكلائها في سوريا ولبنان، مما يضيف طبقة أخرى من التعقيد والخطورة على المشهد الإقليمي.
إغلاق المجال الجوي الإيراني وتحركات عسكرية أمريكية
في خطوة تعكس جدية التهديدات، كشف موقع “فلايت رادار” المتخصص في تتبع حركة الطيران أن السلطات الإيرانية أصدرت إشعاراً بإغلاق مجالها الجوي أمام جميع الرحلات، باستثناء تلك الحاصلة على إذن مسبق. تزامن هذا الإجراء مع تحركات عسكرية أمريكية لافتة، حيث غادرت ست طائرات تزويد بالوقود من طراز «بوينغ كي سي-135 ستراتوتانكر» قاعدة العديد الجوية في قطر، وهي إحدى أكبر القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط، يوم الأربعاء. ورغم أن وجهة هذه الطائرات لا تزال غير واضحة، وما إذا كانت تعيد تمركزها أو تستعد لدعم عملية عسكرية محتملة، إلا أن هذه التحركات تزيد من المخاوف بشأن احتمال توجيه ضربة عسكرية أمريكية لإيران، خاصة في ظل الاحتجاجات الداخلية المستمرة في إيران منذ أواخر العام الماضي.
إجراءات احترازية وتصريحات رسمية
تأكيداً على حساسية الوضع، أعلن مسؤول أمريكي عن صدور نصائح لبعض الأفراد بمغادرة قاعدة العديد بحلول مساء الأربعاء، واصفاً الخطوة بأنها “إجراء احترازي” دون تقديم تفاصيل إضافية حول طبيعة المغادرة أو عدد المعنيين بها. من جانبها، أكدت دولة قطر، المستضيفة للقاعدة، أن مثل هذه الإجراءات تأتي في سياق التوترات الإقليمية الراهنة. وأوضح مكتب الإعلام الدولي القطري أن الدوحة تواصل اتخاذ جميع التدابير اللازمة لضمان أمن وسلامة المواطنين والمقيمين، وحماية المنشآت الحيوية والعسكرية، باعتبارها أولوية قصوى في ظل هذه الظروف الدقيقة.
رسائل إيرانية وتحذيرات متبادلة
في خضم هذه الأجواء المشحونة، تبادلت الأطراف رسائل تحذيرية شديدة اللهجة. فقد صرح علي شمخاني، مستشار المرشد الإيراني، بأن على الرئيس الأمريكي الذي يتحدث عن “العدوان على المنشآت النووية الإيرانية” أن يتذكر أيضاً قدرة إيران على تدمير قاعدة العديد بصواريخها، مؤكداً أن ذلك يعكس إرادة إيران وقدرتها على الرد على أي اعتداء. من جهته، وجه وزير الخارجية الإيراني السابق عباس عراقجي رسالة تحذير إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، دعاه فيها إلى عدم تكرار “أخطاء يونيو الماضي”، في إشارة إلى الضربات الأمريكية التي استهدفت مواقع إيرانية خلال فترة سابقة من التوتر الشديد بين البلدين. وأضاف عراقجي في مقابلة مع شبكة “فوكس نيوز” أن الدبلوماسية تبقى الخيار الأفضل مقارنة بالحرب، رغم عدم توقع الكثير من واشنطن.
طهران: مواجهة الإرهاب لا المحتجين
في سياق متصل بالاحتجاجات الداخلية، رد عراقجي على تقارير سقوط قتلى خلالها، محملاً المسؤولية “لعناصر إرهابية” قال إنها تسللت من خارج البلاد. وأكد أن السلطات الإيرانية تحارب الإرهاب وليس المتظاهرين السلميين، واصفاً أساليب تلك الخلايا بأنها مشابهة لتنظيم “داعش” الإرهابي. هذه التصريحات تأتي في محاولة لتبرير التعامل الأمني مع المظاهرات، وربطها بتهديدات خارجية، في ظل اتهامات دولية لإيران بقمع الاحتجاجات.
إسرائيل تفتح الملاجئ وتستعد للتصعيد
على الجانب الآخر، أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بفتح ملاجئ عامة في عدد من البلديات، من بينها ديمونا وبئر السبع وجان يافني وأوفاكيم، تحسباً لأي تطورات أمنية محتملة. ورغم عدم صدور توجيه رسمي مباشر من قيادة الجبهة الداخلية الإسرائيلية، إلا أن هذه الخطوة تعكس حالة التأهب القصوى. وأكد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، إيفي ديفيرين، أن رئيس الأركان أصدر تعليمات بتعزيز الجاهزية الدفاعية في جميع التشكيلات، مع التأكيد على عدم تغيير السياسة الدفاعية في المرحلة الحالية، مما يشير إلى استعداد للرد دون استباق الأحداث.
رسالة تطمين أم تلميح لعمل مفاجئ؟
في محاولة لتخفيف التوتر، قال الرئيس الأمريكي إنه تلقى معلومات تفيد بتراجع “عمليات القتل” في إيران على خلفية الاحتجاجات الشعبية، معرباً عن اعتقاده بعدم وجود خطط حالياً لتنفيذ إعدامات جماعية، رغم استمرار أجواء التوتر بين طهران وواشنطن. وأوضح ترامب أن مصادر هذه المعلومات جاءت من “مصادر بالغة الأهمية من الجانب الآخر”. ورغم نبرة التهدئة التي حملها التصريح، لم يغلق الرئيس الأمريكي الباب أمام أي تصعيد محتمل، مكتفياً بالقول: “سنراقب مجريات الأمور”. هذه العبارة فسّرها مراقبون على أنها تلميح لإمكانية تحرك مفاجئ، خصوصاً مع إشارته إلى تلقي الإدارة الأمريكية “بياناً جيداً جداً” من إيران. وتأتي هذه التصريحات امتداداً لتحذير سابق أطلقه ترامب مطلع الأسبوع، توعد فيه باتخاذ “إجراء حازم للغاية” إذا أقدمت السلطات الإيرانية على إعدام المتظاهرين، مما يعزز التكهنات بأن أي تطور ميداني قد يقابَل بعمل عسكري مباغت.
تداعيات محتملة: المنطقة والعالم على المحك
إن أي تصعيد عسكري واسع النطاق في منطقة الخليج سيكون له تداعيات كارثية تتجاوز حدود الدول المتورطة. على الصعيد الإقليمي، قد يؤدي ذلك إلى زعزعة استقرار المنطقة بأسرها، وتفاقم الأزمات الإنسانية، وتدفق موجات جديدة من اللاجئين. كما أن مضيق هرمز، وهو ممر ملاحي حيوي يمر عبره جزء كبير من إمدادات النفط العالمية، سيكون عرضة للتهديد، مما قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط العالمية وتأثيرات سلبية على الاقتصاد العالمي بأكمله. على الصعيد الدولي، ستجد القوى الكبرى نفسها أمام تحديات دبلوماسية وأمنية معقدة، وقد يؤدي ذلك إلى إعادة تشكيل التحالفات وتصعيد التوترات الجيوسياسية. لذا، فإن الدعوات إلى ضبط النفس واللجوء إلى الحلول الدبلوماسية تكتسب أهمية قصوى لتجنب كارثة محتملة.


