spot_img

ذات صلة

الذكاء الاصطناعي وسوق العمل: رؤية الدروي لمستقبل التوظيف

في خطوة تعكس الأهمية المتزايدة للتعاون الإقليمي والدولي في مواجهة تحديات سوق العمل المتغيرة، شارك محمد الدروي، ممثل الاتحاد العالمي للتوظيف في مصر، بفاعلية في النسخة الثالثة للمؤتمر الدولي لسوق العمل (GLMC) الذي استضافته المملكة العربية السعودية. تأتي هذه المشاركة لتؤكد على الدور المحوري الذي يلعبه الاتحاد كصوت رائد لقطاع خدمات التوظيف الخاص في مصر، ولتعميق أطر التعاون عبر الحدود بهدف بناء سوق عمل أكثر مرونة وشمولية واستعدادًا لمستقبل التحولات السريعة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

المؤتمر الدولي لسوق العمل: منصة عالمية لرسم مستقبل العمل

يُعد المؤتمر الدولي لسوق العمل (GLMC) منصة عالمية رائدة تجمع صناع السياسات، وقادة الصناعة، والخبراء من مختلف أنحاء العالم لمناقشة التحديات والفرص التي تواجه أسواق العمل. منذ انطلاقته، رسخ المؤتمر مكانته كـ “مختبر أفكار عالمي” تُصاغ فيه ملامح مستقبل العمل، بدءًا من تأثير التكنولوجيا وصولاً إلى ديناميكيات القوى العاملة العالمية. إن وجود مصر، ممثلة بالاتحاد العالمي للتوظيف، على هذه الطاولة الحوارية يضمن بقاء سوق العمل المصري تنافسيًا، ويُعلي صوتها في النقاشات العالمية حول سياسات العمل، مما يعكس التزامها بالانخراط الفعال في صياغة مستقبل العمل على الصعيدين الإقليمي والدولي.

العلاقات المصرية السعودية: ركيزة للنجاح الاقتصادي المشترك

أكد الدروي، في تصريحاته على هامش المؤتمر، أن العلاقة بين سوقي العمل المصري والسعودي تتجاوز كونها مجرد علاقة تاريخية؛ بل هي ركيزة أساسية للنجاح الاقتصادي المشترك لكلا البلدين. لطالما كانت مصر مصدرًا رئيسيًا للعمالة الماهرة وشبه الماهرة للمملكة العربية السعودية، مما ساهم في دعم مشاريع التنمية الكبرى على مر العقود. ومع إطلاق رؤية المملكة 2030 الطموحة، شهدت احتياجات التوظيف تحولاً هائلاً، متجهة نحو الأدوار المتخصصة وعالية المهارة في قطاعات جديدة وواعدة مثل السياحة والترفيه والتكنولوجيا. وتمتلك مصر، بما لديها من رأس مال بشري واسع وموهوب، موقعًا فريدًا لدعم هذا التحول، وتزويد السوق السعودي بالكفاءات اللازمة لتحقيق أهداف رؤيته.

رؤية السعودية 2030: تحول هيكلي في سوق العمل

يشهد سوق العمل السعودي تحولًا هيكليًا متسارعًا وغير مسبوق، مدفوعًا بالتوجهات الاستراتيجية لرؤية 2030. هذه الرؤية الطموحة أعادت صياغة العلاقة بين التوظيف، والسياحة، والاستثمار، حيث أصبحت السياحة محركًا رئيسيًا لخلق فرص العمل، لا سيما في قطاعات الضيافة، والترفيه، وإدارة الوجهات، والخدمات اللوجستية. هذا التحول لا يقتصر على خلق وظائف جديدة فحسب، بل يستقطب استثمارات محلية وأجنبية نوعية تساهم في تنويع الاقتصاد بعيدًا عن الاعتماد التقليدي على النفط. تلعب المملكة دورًا محوريًا في مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات السوق المتغيرة، ورفع مشاركة الكفاءات الوطنية في القطاعات الواعدة، مع الحفاظ على جاذبية الاستثمار الأجنبي. كما أسهم تحسين بيئة الأعمال، وتحديث الأنظمة، وتبني الاقتصاد الرقمي بشكل كبير في تعزيز الإنتاجية واستدامة التوظيف، مما نتج عنه سوق عمل أكثر مرونة وتنوعًا يدعم النمو السياحي، ويعزز ثقة المستثمرين، ويُرسّخ مكانة السعودية كوجهة اقتصادية وسياحية عالمية رائدة.

من تبادل العمالة إلى مواءمة المواهب الاستراتيجية

تهدف مشاركة الاتحاد في المؤتمر إلى الانتقال من نماذج تبادل العمالة التقليدية إلى مفهوم “مواءمة المواهب الاستراتيجية”. هذا يعني التركيز على تنظيم تنقل العمالة بشكل أكثر كفاءة وشفافية، وتوحيد معايير اعتماد المهارات لضمان جودة الكوادر، وضمان جاهزية الكوادر المصرية لتلبية المتطلبات الناشئة للمشاريع العملاقة والاقتصاد المتنوع في المملكة. هذا النهج يضمن أن تكون حركة المواهب بين البلدين فعالة وعادلة، وتخدم المصالح التنموية لكلا الجانبين.

دور الاتحاد العالمي للتوظيف: تعزيز الممارسات الأخلاقية

يشكل دور الاتحاد الدولي لخدمات التوظيف في تنظيم سوق العمل محورًا رئيسيًا خلال هذه الزيارة. بصفته الهيئة الممثلة للقطاع، يدافع الاتحاد في مصر عن ممارسات التوظيف الأخلاقي، وحماية حقوق العمالة، والقضاء على ممارسات التوظيف العشوائية التي تضر باقتصادات الدول وتستغل العمالة. إن حضور الاتحاد في GLMC هو التزام بـ “مأسسة” مشهد التوظيف من خلال تطبيق معايير عالمية للامتثال والأخلاقيات، مما يضمن بيئة عمل عادلة ومنظمة. يؤكد الدروي أن خدمات التوظيف الخاصة هي شريك حيوي للحكومات في خفض معدلات البطالة وسد فجوات المهارات، وتقديم حلول مبتكرة لتحديات سوق العمل.

الذكاء الاصطناعي: أداة تمكين لا مصدر تهديد

تماشيًا مع شعار المؤتمر “المستقبل قيد التشكل” والتحول التكنولوجي الذي يتبناه، سلط محمد الدروي الضوء على الدور المزدوج للذكاء الاصطناعي في سوق العمل. وأوضح قائلاً: “يجب أن نتوقف عن النظر إلى الذكاء الاصطناعي كمصدر للتهديد فقط، وأن نبدأ في استخدامه كأداة تمكين قوية في قطاع التوظيف”. لقد أحدث الذكاء الاصطناعي ثورة في كيفية مطابقة المواهب مع الفرص، مما يتيح لنا التنبؤ بنقص العمالة وتحديد فجوات المهارات بدقة غير مسبوقة. فبدلاً من الخوف من استبدال الوظائف، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعزز الكفاءة، ويخلق وظائف جديدة تتطلب مهارات مختلفة، ويسهم في تحسين ظروف العمل.

في سياق عالمي يشهد تسارعًا غير مسبوق في تبني التقنيات الذكية، أصبح من الضروري للدول والمنظمات تبني استراتيجيات واضحة للتعامل مع الذكاء الاصطناعي. هذا يشمل الاستثمار في برامج إعادة التأهيل والتدريب المستمر للقوى العاملة، وتطوير أطر قانونية وأخلاقية لضمان استخدام مسؤول للذكاء الاصطناعي. إن التركيز على “التمحور حول الإنسان في الذكاء الاصطناعي” يعني تصميم وتطبيق هذه التقنيات بطريقة تعزز الإنتاجية البشرية وتدعمها، بدلاً من استبدالها. وهذا يتطلب جهودًا مشتركة من الحكومات، والقطاع الخاص، والمؤسسات التعليمية لضمان أن تكون القوى العاملة مستعدة للمستقبل، ومجهزة بالمهارات اللازمة للتعامل مع الأدوات الذكية الجديدة.

التأثير المتوقع والآفاق المستقبلية

إن النقاشات والمخرجات من مؤتمر GLMC، خاصة تلك المتعلقة بالذكاء الاصطناعي والتعاون الإقليمي في سوق العمل، تحمل تأثيرات إيجابية متوقعة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. محليًا، ستساهم في تطوير سياسات عمل أكثر حداثة في مصر والسعودية، وتوفير فرص عمل أفضل للشباب. إقليميًا، ستعزز التكامل الاقتصادي وتدفق المواهب بين دول الشرق الأوسط، مما يدعم النمو المستدام. دوليًا، ستسهم هذه المنطقة في الحوار العالمي حول مستقبل العمل، وتقديم نماذج ناجحة للتعامل مع التحديات التكنولوجية. إن تبني نهج استباقي للذكاء الاصطناعي، يركز على تمكين الإنسان، هو مفتاح بناء اقتصادات قوية ومجتمعات مزدهرة في عصر الثورة الصناعية الرابعة.

spot_imgspot_img