يُعد الإعلامي والفنان الكويتي محمد الويس واحداً من أبرز القامات التي شكلت ذاكرة التلفزيون في الكويت ومنطقة الخليج العربي خلال العقود الماضية. لم تكن مسيرته خطاً مستقيماً، بل كانت رحلة مليئة بالتحولات الدرامية والمثيرة، حيث استطاع أن يجمع بين الموهبة الرياضية، الحس الفني الفكاهي، الرؤية الإخراجية الثاقبة، والكاريزما الطاغية في التقديم التلفزيوني.
البداية في المستطيل الأخضر
قبل أن تضيء الكاميرات وجهه، كانت الأضواء مسلطة عليه في الملاعب الرياضية. بدأ محمد الويس حياته كلاعب كرة قدم، وتحديداً في مركز حراسة المرمى بنادي القادسية الكويتي. هذه المرحلة لم تكن مجرد محطة عابرة، بل ساهمت في صقل شخصيته وتعليمه الانضباط وسرعة البديهة، وهي مهارات استثمرها لاحقاً في تعامله مع الجمهور المباشر وإدارة المواقف على الهواء. إلا أن شغفه بالفن كان ينمو بالتوازي مع مسيرته الرياضية، ليقرر في لحظة حاسمة تعليق القفازات والتوجه نحو عالم الأضواء.
من الملاعب إلى فن المونولوج
كانت النقلة الأولى للويس نحو الفن عبر بوابة “المونولوج”، وهو فن صعب يعتمد على الأداء الفردي والقدرة على جذب الجمهور بالحكاية والأغنية الناقدة أو الفكاهية. تميز الويس بخفة ظل فطرية وحضور مسرحي لافت، مما جعله وجهاً مألوفاً ومحبوباً في تلك الفترة. لم يكتفِ بذلك، بل خاض تجارب في التمثيل المسرحي، مما أكسبه خبرة في التعامل مع النصوص وفهم سيكولوجية الجمهور، وهو ما مهد الطريق لخطوته الأكبر في عالم الإعلام.
الإخراج التلفزيوني والرؤية الفنية
لم يتوقف طموح محمد الويس عند الوقوف أمام الكاميرا أو على خشبة المسرح، بل سعى لفهم ما يدور خلف الكواليس. درس الإخراج في الولايات المتحدة الأمريكية، وعاد ليطبق ما تعلمه في تلفزيون الكويت. يُحسب له أنه كان من المجددين في إخراج الأغاني والبرامج المنوعة، حيث أخرج العديد من الأعمال الناجحة مثل برنامج “غناوي” الذي وثق التراث الغنائي الكويتي بأسلوب بصري حديث في ذلك الوقت. كانت لمساته الإخراجية تتسم بالحيوية والتجديد، مما جعله واحداً من أهم المخرجين في تلك الحقبة الذهبية.
أيقونة برامج المسابقات ورمضان
رغم نجاحه في كافة المجالات السابقة، إلا أن الشهرة الطاغية لمحمد الويس تحققت عندما أمسك بالميكروفون كمذيع ومقدم برامج. ارتبط اسمه بشكل وثيق بشهر رمضان المبارك من خلال برامج المسابقات الجماهيرية. تميز الويس بأسلوب “السهل الممتنع”، حيث جمع بين العفوية الشديدة والاحترام الكبير للمشاهد، مما جعله ضيفاً دائماً على المائدة الرمضانية الخليجية لسنوات طويلة. قدرته على خلق جو من الألفة والمرح مع المتصلين والجمهور في الاستوديو جعلت منه مدرسة خاصة في التقديم التلفزيوني لا تزال تُلهم الجيل الجديد من الإعلاميين.
الأثر الثقافي والإعلامي
تمثل مسيرة محمد الويس نموذجاً للفنان الشامل والمثقف الذي استطاع التكيف مع متغيرات الزمن. يُنظر إليه اليوم كأحد رموز “الزمن الجميل” في الإعلام الكويتي، وشاهد على عصر الريادة التلفزيونية في الخليج. إن تنقله من الرياضة إلى الفن ثم الإخراج والتقديم يعكس حالة من الشغف المستمر والإبداع المتجدد، مما يجعله شخصية تستحق الدراسة والتقدير في تاريخ الإعلام العربي.


