يعتبر تاريخ الموسيقى في اليمن ضارباً في جذور التاريخ، حيث تشير الأبحاث والدراسات، ومنها أبحاث الباحث محمد حسين العمري، إلى أن اليمن عرف الغناء والآلات الموسيقية منذ حضارات ما قبل الميلاد. وقد أكد المؤرخون مثل المسعودي والمستشرق هنري فارمر أن الممالك العربية في جنوب الجزيرة بلغت مراتب سامية في الموسيقى، وأن جذور الموشحات الأندلسية تعود في أصلها إلى اليمن. وفي هذا السياق التاريخي العريق، يبرز اسم الفنان محمد مرشد ناجي كواحد من أهم أعمدة الغناء اليمني الأصيل، الذي حمل على عاتقه مسؤولية إحياء هذا التراث وتجديده ونقله إلى آفاق أرحب.
الجذور التاريخية لظهور المرشدي في المشهد الفني
لم تكن ولادة ونشأة الفنان في مدينة عدن مجرد صدفة عابرة، بل كانت عاملاً حاسماً في تشكيل وعيه الفني والثقافي. ففي السادس من نوفمبر عام 1929، ولد في مديرية الشيخ عثمان لأسرة متواضعة تتكون من أب عدني وأم صومالية. كانت عدن في تلك الحقبة مدينة مزدهرة، تسبق غيرها من المدن اليمنية بانفتاحها وتعدديتها الثقافية والسياسية. هذا المناخ المدني المليء بالصخب الفكري ساعده على تجاوز قسوة الظروف المعيشية. بدأ تعليمه في الكتّاب حيث ختم القرآن الكريم، ثم انتقل للمدارس الحكومية والإرساليات الكاثوليكية، لكن شغفه قاده لتعلم اللغة الإنجليزية والعمل كمترجم في مستشفى الجيش الهندي. ورغم عدم التحاقه بمعهد موسيقي متخصص، إلا أن بيئته وموهبته الفطرية واحتكاكه بالرموز الفكرية كانت مدرسته الأولى.
الانطلاقة الفنية وتجديد التراث الموسيقي
بدأ شغفه بالفن من منزله متأثراً بوالده الذي كان يهوى الغناء، وسرعان ما لفت انتباه معلميه في المدرسة الذين شجعوه على الغناء. تعلم العزف على العود في فترة قياسية، وفي عام 1949، انضم إلى “الندوة الموسيقية العدنية”، حيث أدى الأغاني التراثية ببراعة. وجاءت النقلة النوعية في عام 1951 عندما لحن وغنى قصيدة “وقفة” للشاعر محمد سعيد جرادة، لتكون باكورة أعماله الناجحة. استمرت مسيرته لستة عقود، قدم خلالها ألواناً غنائية متنوعة مثل الحضرمي، اليافعي، اللحجي، العدني، والتهامي، وساهم في إخراج اللون الصنعاني من نطاقه الضيق. من أبرز أعماله الخالدة “ضناني الشوق”، “يا نجم يا ساهر”، و”صادت فؤادي”.
التأثير المحلي والإقليمي لإرث محمد مرشد ناجي
لم يقتصر تأثير محمد مرشد ناجي على الساحة المحلية فحسب، بل امتد ليترك بصمة واضحة على المستوى الإقليمي والعربي. محلياً، ساهمت إذاعة عدن منذ تأسيسها عام 1954 في إيصال صوته إلى كل بيت يمني. كما لعب دوراً وطنياً بارزاً في مرحلة الحراك السياسي ضد الاستعمار البريطاني في الخمسينيات والستينيات، مستخدماً الأغنية الوطنية كسلاح فعال لإلهام الجماهير. إقليمياً، شارك في العديد من الفعاليات في دول الخليج والجزيرة العربية، وتغنى بألحانه كبار الفنانين العرب مثل فنان العرب محمد عبده في أغنية “ضناني الشوق”، والفنان السوري فهد بلان في أغنية “يا نجم يا ساهر”. هذا الانتشار الواسع أكد مكانته كفنان مثقف يرفض الغناء الهابط ويسعى للارتقاء بالذوق العام، دامجاً بين الأصالة والتحديث الموسيقي.
جهود التوثيق والتكريمات الرسمية
إلى جانب إبداعه الغنائي واللحني، أخذ المرشدي على عاتقه مهمة حراسة التراث الغنائي اليمني وتوثيقه. أصدر عدة مؤلفات مرجعية هامة منها “أغانينا الشعبية” (1959)، و”الغناء اليمني القديم ومشاهيره” (1983)، و”صفحات من الذكريات” (2000). هذا الجهد الفكري والموسيقي جعله يحظى بتقدير رسمي وشعبي واسع، حيث تولى عضوية مجلس الشعب ومجلس النواب، وعمل مستشاراً لوزير الثقافة. كما نال أوسمة رفيعة مثل وسام الفنون من الدرجة الأولى (1982)، وكُرم في دول عربية وأوروبية، منها تكريمه في معهد العالم العربي بباريس عام 2003. وفي السابع من فبراير 2013، رحل هذا الهرم الفني الكبير بعد معاناة مع المرض، تاركاً خلفه إرثاً فنياً وثقافياً سيظل محفوراً في ذاكرة الأجيال المتعاقبة.


