تبدأ كل بطولة كروية كبرى بحلم، ولكن بالنسبة للبلدان المضيفة، فإن هذا الحلم غالبًا ما يكون مدعومًا بامتيازات فريدة تزيد من فرص تحقيقه. في عالم كرة القدم، يُعرف “عامل الأرض والجمهور” بأنه قوة دافعة لا يستهان بها، حيث يمنح الفرق المستضيفة دفعة معنوية هائلة ودعمًا جماهيريًا لا مثيل له. هذا الدعم، بالإضافة إلى خوض المباريات على ملاعب مألوفة وتجنب عناء السفر، يخلق بيئة مثالية للمضي قدمًا في الأدوار الحاسمة من أي مسابقة، مما يجعل التتويج باللقب على أرض الوطن هدفًا واقعيًا ومحفزًا.
كأس الأمم الأفريقية، التي تُعد أقدم وأعرق بطولة قارية في أفريقيا، لطالما كانت مسرحًا لهذه الظاهرة. منذ انطلاق نسختها الأولى في عام 1957، تطورت البطولة لتصبح حدثًا كرويًا ضخمًا يجذب أنظار القارة والعالم أجمع. على مر تاريخها الطويل الذي يمتد لأكثر من ستة عقود، شهدت الكان العديد من اللحظات التي تألق فيها المنتخب المضيف، مستفيدًا من الحماس الجماهيري والضغط الإيجابي الذي يفرضه اللعب على أرض الوطن. هذه الظاهرة ليست مجرد صدفة، بل هي نتيجة لتضافر عوامل نفسية ولوجستية تمنح المضيفين أفضلية واضحة، بدءًا من الدعم اللامحدود في المدرجات وصولاً إلى التكيف مع الظروف المناخية والملاعب.
الإحصائيات التاريخية لكأس الأمم الأفريقية تؤكد هذه الحقيقة بقوة. فمن بين 34 نسخة سابقة للبطولة، وصل المنتخب المضيف إلى المباراة النهائية 15 مرة، وهو رقم يعكس مدى تأثير عامل الأرض والجمهور. والأكثر إثارة للإعجاب هو أن 12 من هذه النهائيات الـ 15 قد انتهت بتتويج أصحاب الأرض باللقب القاري المرموق. هذا يعني أن نسبة نجاح البلد المضيف في الفوز باللقب عند وصوله للنهائي تتجاوز 80%، وهي نسبة تبعث على التفاؤل لأي منتخب يجد نفسه في هذا الموقف. فقط ثلاث منتخبات فشلت في رفع الكأس على أرضها في المشهد الختامي، وهي تونس عام 1965 عندما خسرت أمام غانا، وليبيا عام 1982 التي سقطت أيضًا أمام غانا، ونيجيريا عام 2000 التي خسرت اللقب أمام الكاميرون.
العديد من الدول الأفريقية حفرت اسمها في سجلات التاريخ الكروي من خلال الفوز بالكان على أرضها. تتصدر مصر القائمة كأكثر المستفيدين من هذا العامل، حيث توجت باللقب ثلاث مرات وهي مستضيفة للبطولة في أعوام 1959 و1986 و2006. غانا أيضًا حققت اللقب مرتين على أرضها في 1963 و1978. كما شهدت البطولة تتويج إثيوبيا (1962)، السودان (1970)، نيجيريا (1980)، الجزائر (1990)، جنوب أفريقيا (1996)، وتونس (2004)، بالإضافة إلى كوت ديفوار مؤخرًا في نسخة 2023 (التي أقيمت في فبراير 2024)، حيث فاز “الأفيال” على نيجيريا بنتيجة 2-1 في مباراة نهائية مثيرة، مؤكدين مرة أخرى قوة عامل الأرض.
وفي سياق التحضيرات للنسخة الخامسة والثلاثين المرتقبة من كأس الأمم الأفريقية، والتي ستستضيفها المغرب في عام 2025، تتجه الأنظار نحو ما إذا كان “أسود الأطلس” سيتمكنون من الاستفادة من عامل الأرض والجمهور لتحقيق إنجاز تاريخي. مع إعلان المغرب كدولة مضيفة، تتجدد التساؤلات حول مدى قدرة المنتخبات المضيفة على التتويج باللقب، خاصة وأن المغرب يطمح لتحقيق لقبه الثاني في البطولة بعد تتويجه الوحيد عام 1976. إذا ما وصل المنتخب المغربي إلى المباراة النهائية في هذه النسخة، فسيكون أمام فرصة ذهبية لتأكيد هذه القاعدة التاريخية، مستلهمًا من تجارب الدول التي سبقت وتوجت على أرضها.
الفوز بكأس الأمم الأفريقية على أرض الوطن يتجاوز مجرد الإنجاز الرياضي؛ إنه يعزز الشعور بالفخر الوطني والوحدة بين الجماهير، ويخلق احتفالات لا تُنسى تظل محفورة في الذاكرة الجماعية للأمة. كما أن استضافة بطولة بهذا الحجم والفوز بها يمكن أن يكون له تأثير اقتصادي إيجابي كبير، من خلال تنشيط السياحة، وتحسين البنية التحتية الرياضية، وخلق فرص عمل. إنه يلهم الأجيال الشابة ويدفعهم نحو ممارسة الرياضة، مما يساهم في تطوير المواهب الكروية المستقبلية ويغرس فيهم روح التنافس والطموح. على الصعيد الإقليمي والقاري، يرسخ تتويج المغرب مكانته كقوة كروية رائدة، ويعزز من سمعته التنظيمية بعد استضافة ناجحة. كما أن الأداء القوي للمنتخبات الأفريقية في البطولات الكبرى يساهم في رفع مستوى كرة القدم في القارة ككل، ويجذب المزيد من الاهتمام العالمي للمواهب الأفريقية. الفوز بالكان على أرض الوطن هو شهادة على التطور الكروي للبلد المضيف وقدرته على المنافسة على أعلى المستويات.
بينما يترقب الملايين حول العالم النسخة القادمة من كأس الأمم الأفريقية في المغرب، تبقى الإحصائيات التاريخية حافزًا قويًا لـ “أسود الأطلس”. فهل يبتسم التاريخ للمغاربة ويكررون سيناريو كوت ديفوار ومصر وغانا، أم أن التحديات ستكون أكبر؟ الإجابة ستكون على أرض الملعب في عام 2025، ولكن المؤكد أن عامل الأرض والجمهور سيلعب دورًا محوريًا في هذه الملحمة الكروية المنتظرة، وقد يكون المفتاح الذهبي نحو التتويج باللقب القاري.


