spot_img

ذات صلة

موسكو تعزز سياحة الأعمال وتوطد علاقاتها مع السعودية

سياحة الأعمال في موسكو

موسكو: وجهة عالمية صاعدة لسياحة الأعمال والمؤتمرات

في خطوة تعكس التحولات الاقتصادية والجيوستراتيجية العالمية، عزّزت موسكو بشكل حاسم مكانتها كأحد أبرز المراكز العالمية لسياحة الأعمال (MICE). وقد تجلّى هذا التوجه بوضوح من خلال النجاح الاستثنائي لمؤتمر “Meet Global MICE Congress” الذي عُقد في 17 و18 ديسمبر. أثبت هذا المنتدى الدولي قدرة العاصمة الروسية الفائقة على استضافة وتنظيم فعاليات كبرى ذات تأثير عالمي، حيث استقطب أكثر من 2500 متخصص من قطاع السياحة والأعمال يمثلون 37 دولة، مع تركيز خاص على دول مجموعة “BRICS” ودول الجنوب العالمي. ويمثل هذا الحضور ضعف المشاركة المسجلة في العام السابق، مما يؤكد تزايد جاذبية موسكو كمركز محوري للتعاون الدولي.

السياق الاستراتيجي: التوجه نحو الشرق والجنوب العالمي

تاريخياً، كانت سياحة الأعمال في روسيا تعتمد بشكل كبير على الأسواق الغربية، ولكن مع التغيرات الجيوسياسية الأخيرة وتوسع مجموعة “بريكس” (BRICS)، انتهجت موسكو استراتيجية جديدة تركز على تعميق الروابط مع دول الشرق الأوسط والجنوب العالمي. هذا التحول ليس مجرد رد فعل، بل هو خطوة استراتيجية تتوافق مع رؤى التنويع الاقتصادي في هذه الدول، بما في ذلك “رؤية السعودية 2030” التي تهدف إلى تعزيز الشراكات العالمية وفتح آفاق استثمارية وتجارية جديدة بعيداً عن الدوائر التقليدية.

ولم يقتصر نجاح المؤتمر على حجم المشاركة، بل امتد ليشمل مضموناً غنياً عبر برنامج مكثف استمر ليومين. تضمن الحدث 15 جلسة أعمال ناقشت قضايا حيوية مثل تطوير الوجهات السياحية، تخصيص تجارب الفعاليات، وتوظيف الذكاء الاصطناعي والتقنيات العصبية في صناعة المعارض والمؤتمرات.

نمو متسارع في العلاقات السياحية مع دول الخليج

أكد إيفغيني كوزلوف (Evgeniy Kozlov)، رئيس لجنة السياحة في مدينة موسكو، أن العاصمة الروسية تتجاوز كونها وجهة سياحية تقليدية لتصبح مركز أعمال رئيسي لدول الشرق الأوسط. وتدعم لغة الأرقام هذا التوجه بقوة؛ فقد سجلت رحلات الأعمال القادمة من بعض دول الخليج إلى موسكو قفزة بنسبة 36٪ خلال السنوات الثلاث الماضية، متفوقة بشكل ملحوظ على متوسط النمو البالغ 23٪ في الأسواق الدولية الأخرى.

وقد شكل المشاركون من منطقة الشرق الأوسط نحو 30٪ من إجمالي حضور المؤتمر. وشهد الحدث مشاركة فاعلة لمتخصصين من المملكة العربية السعودية، الإمارات العربية المتحدة، قطر، البحرين، وعُمان، حيث تم عقد رقم قياسي بلغ 8000 اجتماع أعمال ثنائي، مما يمهد الطريق لشراكات اقتصادية طويلة الأمد.

البنية التحتية ومفهوم “العمل والترفيه” (Bleisure)

تُعد سياحة الأعمال حالياً من أسرع القطاعات نمواً في موسكو. وبحلول نهاية عام 2024، استقبلت المدينة أكثر من 5 ملايين مسافر أعمال سنوياً، حيث يأتي واحد من كل 8 مسافرين من خارج روسيا. وتشير التوقعات الاقتصادية إلى وصول هذا الرقم إلى 8 ملايين مسافر بحلول عام 2030، ليشكل 15٪ من إجمالي حركة السياحة.

تستفيد موسكو من إرث البنية التحتية الضخم الذي تم تطويره خلال استضافتها لبطولة كأس العالم FIFA 2018، والذي شمل تحديث المطارات، وتوسيع شبكات النقل، وتطوير قطاع الضيافة. هذا التطور جعل موسكو بيئة مثالية لمفهوم “Bleisure” الذي يدمج بين العمل والترفيه، مستفيدة من معالمها الثقافية مثل “Tretyakov Gallery” وتنوعها المعماري والمطبخي.

شراكة استراتيجية متنامية مع المملكة العربية السعودية

أوضحت أناستاسيا بوبوفا (Anastasia Popova)، رئيسة تطوير سياحة الأعمال في لجنة السياحة بموسكو، أن الزخم الذي ولّده المؤتمر يُعد نقطة انطلاق استراتيجية لتعزيز التبادل السياحي والتجاري مع المملكة العربية السعودية. وتهدف موسكو إلى تقديم تجربة سياحية متكاملة تلبي تطلعات السائح السعودي، تجمع بين التراث العريق والحداثة.

وقد أثمرت التسهيلات المقدمة للسياح السعوديين عن نتائج مبهرة. ففي الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، استقبلت موسكو 43,700 مسافر من المملكة، بزيادة قدرها 18٪ مقارنة بالعام السابق، لتصبح السعودية ضمن أكبر ثلاث دول مصدرة للسياح إلى روسيا.

تسهيلات السفر والخدمات المتوافقة مع الثقافة الإسلامية

لعب التوسع في الربط الجوي دوراً محورياً في هذا النمو، حيث أطلقت شركتا طيران ناس (Flynas) والخطوط السعودية (Saudia) رحلات مباشرة. كما تم رفع عدد رحلات الخطوط السعودية إلى 5 رحلات أسبوعياً، مع خطط لتوسيع رحلات طيران ناس من جدة.

على صعيد التأشيرات، أصبح بإمكان المواطنين السعوديين استخراج تأشيرة إلكترونية خلال 4 أيام فقط. والخطوة الأهم تتمثل في بدء تطبيق نظام السفر بدون تأشيرة (Visa-free) اعتباراً من فبراير 2026، مما سيعزز التدفق السياحي بشكل غير مسبوق.

ولضمان راحة الزوار من المملكة، كيّفت موسكو قطاع الضيافة ليتناسب مع المتطلبات الثقافية والدينية، من خلال توفير مطاعم تقدم الأكل “الحلال” عالي الجودة، ومرافق للصلاة في الفنادق، بالإضافة إلى شبكة دعم تضم أكثر من 150 مرشداً سياحياً معتمداً يتحدثون اللغة العربية.

وفي هذا السياق، صرح مصطفى خليل، الرئيس التنفيذي لشركة “Royal Mantra Travel”: “تمتلك موسكو إمكانات سياحية هائلة. بعد كأس العالم 2018، أدرك العالم جودة البنية التحتية الروسية. ورغم تراجع السياحة عالمياً بسبب جائحة كورونا، فإن موسكو تتعافى بقوة لتصبح منافساً شرساً في السياحة الشتوية والصيفية، وهو ما نسعى لاستثماره لجذب المزيد من السياح”.

spot_imgspot_img