spot_img

ذات صلة

جوهر رمضان: دعوة مولاي صابر لتحويل العبادة لفعل إنساني

دعا المفكر المغربي مولاي أحمد صابر إلى إعادة اكتشاف الغايات السامية لشهر رمضان، مؤكداً أن جوهره يكمن في تحويل التعبّد من مجرد طقوس إلى فعل إنساني مؤثر في الواقع. وانتقد صابر الظواهر السلبية التي التصقت بالشهر الفضيل، وعلى رأسها تحوله إلى موسم للاستهلاك المفرط والإسراف في الأطعمة، مما يفرغه من معانيه الروحانية العميقة التي تتمثل في التأمل الهادئ والتقرب إلى الله.

رمضان: بين الجوهر الروحاني والممارسة الثقافية

يحتل شهر رمضان مكانة مركزية في الإسلام، فهو ليس فقط الشهر الذي أنزل فيه القرآن الكريم، بل هو أيضاً شهر الصيام، الركن الرابع من أركان الإسلام. تاريخياً، كان رمضان فرصة للمسلمين للتدريب على الصبر، والإحساس بمعاناة الفقراء، وتعميق الصلة بالخالق من خلال العبادة والتفكر. إلا أن صابر يرى أن الممارسات المعاصرة، مثل الإقبال الكثيف على المساجد وسماع القرآن بشكل موسمي وكأن الشهور الأخرى لا قيمة فيها للعبادة، قد تحول أحياناً إلى مبالغات شكلية تغفل عن المقصد الأسمى.

وفي هذا السياق، أكد المفكر المغربي أنه لا يقلل من شأن العادات والتقاليد الاجتماعية التي تشكلت حول الشهر، لافتاً إلى التداخل الوثيق بين ما هو ديني وما هو ثقافي. فالدين، بحسبه، لا يظهر إلا من خلال الثقافة التي تحتضنه، وهو ما يفسر التنوع الهائل في احتفالات المسلمين برمضان حول العالم، من آسيا إلى أفريقيا، حيث تتجلى العادات والتقاليد وأوجه الفرح بصور لا حصر لها، مما يثري التجربة الإسلامية ويعكس عالميتها.

ثقافة حية: الصيام كفلسفة إنسانية

دعا صابر إلى التمييز بين “ثقافة حية” و”ثقافة ميتة” في ممارسة الصيام. فالثقافة الحية هي التي تمنح الصوم معناه الكوني والحضاري، وتجعله فلسفة تذكر الإنسان بضعفه وحاجته وحدوده. هذا الإحساس بالضعف، كما يوضح، هو ما يدفعه نحو الإيمان بقيم الأمن والسلام والرحمة كضرورة للبقاء الإنساني المشترك. أما الثقافة الميتة، فهي التي تحصر الصيام في دائرة الامتناع عن الطعام والشراب دون استيعاب أبعاده الأخلاقية والإنسانية.

وتطلع صابر إلى أن تتحول تعاليم الدين إلى “فعل إنساني” ملموس، يندمج في حركة التاريخ والزمن، ويتفاعل مع مختلف السياقات الجغرافية والثقافية. فعلى الرغم من أن مرجعية الإسلام (القرآن الكريم) واحدة، فإن تجليات شعائره، كالصلاة والصيام والحج، تتعدد وتتنوع بتعدد الثقافات والأزمنة، بل وتختلف حتى على المستوى النفسي والوجداني من فرد لآخر، مما يؤكد على أهمية فهم الدين ضمن هذا الكل المركب.

أهمية الاختلاف وتعدد الفهوم

لفت أحمد صابر إلى أن الإسلام، رغم وحدته المرجعية، متعدد في روافده الثقافية والاجتماعية. فاللغة، باعتبارها جزءاً من الثقافة، تطبع فهم كل قومية للإسلام بطابعها الخاص. وقد أدى هذا التنوع عبر التاريخ إلى ظهور فرق ومذاهب ومدارس فقهية عديدة، وهو ما خلق لدى المسلمين وعياً كبيراً بأهمية الاختلاف وتعدد الاجتهادات في فهم النص الديني. وأشار إلى أن جميع هؤلاء الفقهاء، على اختلافهم، يعودون إلى أصل واحد يوحدهم، وهو الإيمان بوحدانية الله، الكلمة المركزية في الخطاب القرآني. إن فهم هذا التنوع وقبوله هو المدخل لإعادة بناء علاقة صحية مع الدين، علاقة تقوم على الجوهر لا على الشكل، وعلى الفعل الإنساني لا على الطقوس الجامدة.

spot_imgspot_img