spot_img

ذات صلة

سوابيط مظلمة: قراءة في مجموعة موسى الثنيان القصصية

تُعد المجموعة القصصية «سوابيط مظلمة» للكاتب السعودي موسى الثنيان، الصادرة عن دار الانتشار العربي عام 2021، إضافة نوعية للمكتبة الأدبية السعودية والعربية. فمن خلال 13 قصة قصيرة، يأخذنا الثنيان في رحلة عميقة إلى نفوس شخصياته الباحثة عن الانعتاق، ليقدم رؤية فنية وفلسفية حول الصراع الإنساني الأزلي مع القيود، سواء كانت مفروضة من الخارج أو نابعة من الذات.

السياق الأدبي: الواقعية السحرية في الأدب السعودي

يأتي عمل موسى الثنيان في سياق مشهد أدبي سعودي يشهد حيوية وتجديدًا، خاصة في فن القصة القصيرة. يبرع الثنيان في توظيف تقنيات الواقعية السحرية، وهو تيار أدبي يمزج بين تفاصيل الحياة اليومية والعناصر العجائبية والغرائبية. هذا الأسلوب يسمح له بتجاوز حدود الواقع المادي لاستكشاف الأزمات الوجودية والنفسية لشخصياته، حيث تتحدث الحيوانات، وتتحرك الجمادات، وتتداخل عوالم الجن مع عالم البشر، مما يخلق فضاءً سرديًا غنيًا بالرموز والدلالات يعكس تعقيدات الواقع المحلي بأسلوب مبتكر.

ثيمة الانعتاق المستحيل والعجز الوجودي

تدور معظم قصص المجموعة حول إشكالية مركزية: عدم رضا الشخصيات عن واقعها ومحاولاتها اليائسة لتغييره. يرسم الثنيان ببراعة شخصيات مقيدة بإكراهات داخلية وخارجية تجعلها عاجزة عن الفعل. هذه القيود ليست مجرد ظروف اجتماعية أو اقتصادية، بل هي أيضًا قيود نفسية ووجودية تمنعها حتى من التعبير عن رغباتها وأحلامها. تصبح محاولات التحرر مجرد أحلام يقظة، وتنتهي معظم الشخصيات بالاستسلام لواقعها المرير، مدركة أن أي محاولة للتغيير تفوق إرادتها، وهو ما يجسد مأساة العجز الإنساني أمام سلطة القدر أو الظروف القاهرة.

تنوع الشخصيات ورمزيتها العميقة

من أبرز سمات «سوابيط مظلمة» هو التنوع الكبير في شخصياتها. لا يقتصر السرد على الشخصيات الآدمية، بل يمتد ليشمل الحيوانات، وخاصة الطيور التي تحضر بكثافة كرمز للحرية المنقوصة، والجمادات التي تُمنح أدوارًا إنسانية مثل الفزاعة أو عصفور الساعة، وحتى شخصيات من عالم الجن. هذا التنوع يكسر النمطية ويفتح أفق التأويل، فكل شخصية، بغض النظر عن طبيعتها، تصبح مرآة تعكس جانبًا من جوانب المعاناة الإنسانية في بحثها عن الخلاص والسعادة، ولو للحظات مسروقة من الزمن.

الأهمية والتأثير: صوت من قلب التراث والحداثة

تكمن أهمية هذه المجموعة في قدرتها على استلهام عوالم الحكاية الشعبية والبيئة القروية والبدوية، وتقديمها في قالب فني حديث. يقترب الثنيان من التراث السردي الشفوي، مستلهمًا فضاءاته وشخصياته البسيطة التي تعيش في الهامش، ليمنحها صوتًا ويعبر عن همومها الكبرى. بهذا المعنى، لا تقدم «سوابيط مظلمة» مجرد قصص مسلية، بل هي شهادة أدبية على تحولات المجتمع، ورصد دقيق لأثر هذه التحولات على نفسية الفرد. إنها عمل يؤكد على أن الأدب المحلي قادر على معالجة قضايا إنسانية عالمية، مما يرسخ مكانة الأدب السعودي على الخارطة الأدبية العربية.

في الختام، يمكن القول إن مجموعة «سوابيط مظلمة» عمل أدبي يستحق القراءة والتأمل، حيث ينجح موسى الثنيان في خلق عوالم قصصية فريدة، تتأرجح بين الواقع والخيال، وتطرح أسئلة عميقة حول معنى الحرية والوجود والجدوى. إنها دعوة للقارئ للغوص في مستنقعات النفس البشرية المظلمة، واستكشاف مساعيها الدائمة نحو نور الانعتاق، حتى وإن كان يبدو بعيد المنال.

spot_imgspot_img