عندما يصدر كتاب جديد يسلط الضوء على سيرة علم من أعلام اللغة العربية، فإنه يعيد إلى الأذهان قامات فكرية وأدبية أسهمت في تشكيل الوعي الثقافي لأجيال متعاقبة. ومن هؤلاء الأعلام، يبرز اسم الشيخ محمد بن يعقوب تركستاني، الذي لم يكن مجرد باحث أو أديب، بل كان عاشقًا متيمًا بجماليات لغة الضاد وأسرارها. ويأتي كتاب “أضواء كاشفة على سيرة أبي – محمد بن يعقوب التركستاني” الذي أصدره نجله الدكتور فهر عن نادي جدة الأدبي، ليكون بمثابة نافذة نطل منها على مسيرة حافلة بالعطاء والإخلاص لخدمة التراث العربي.
خلفية ثقافية: من تركستان إلى رحاب الحرم المكي
لفهم عمق تجربة التركستاني، لا بد من العودة إلى جذوره. فهو، كما يدل نسبه، ينحدر من تركستان، تلك البلاد التي أنجبت فطاحل العلماء في الحضارة الإسلامية. وقد شاءت الأقدار أن يهاجر إلى مكة المكرمة، قلب العالم الإسلامي، لينهل من معين علمها الصافي. هناك، في حلقات العلم بالمسجد الحرام، تتلمذ على يد كبار المشايخ والأدباء الذين كانوا يمثلون امتدادًا للمدرسة الحجازية العريقة في العلوم الشرعية واللغوية. فقد تتلمذ على يد أسماء لامعة مثل السيد أحمد صقر، ومحمود شاكر، ومحمد متولي الشعراوي، وأحمد جمال، وغيرهم من أساطين العربية، مما صقل موهبته ومنحه أساسًا علميًا متينًا انطلق منه في رحلته المعرفية.
إسهامات إعلامية وأدبية رائدة
لم تقتصر جهود التركستاني على البحث الأكاديمي الصرف، بل كان له حضور إعلامي مؤثر. يتذكره الكثيرون من خلال برامجه اللغوية في إذاعة جدة في بدايات القرن الهجري الحالي، حيث كان صوته الرخيم ينساب عبر الأثير، مبسطًا دقائق اللغة، وموضحًا الفروق بين الفصيح والعامي، ومستعرضًا كنوز البلاغة والبيان. كما كان له ملحق تراثي أسبوعي في صحيفة “المدينة”، والذي استمر في الصدور منذ عام 1409هـ، وكان منارة للقراء المتعطشين لإحياء تراثهم الأدبي واللغوي. لقد أدرك الشيخ أهمية الإعلام في نشر المعرفة وتوثيق العلاقة بين الجيل الجديد وتراثه العظيم، فكان رائدًا في توظيف هذه الوسائل لخدمة اللغة العربية.
منهجه الفريد في تحقيق المخطوطات
يُعد تحقيق المخطوطات من أصعب الفنون وأشقها، وهو الميدان الذي برع فيه التركستاني وأظهر فيه تفوقًا لافتًا. لم يكن عمله مجرد نسخ للنصوص القديمة، بل كان يتبع منهجًا علميًا دقيقًا يبدأ بالبحث المضني عن نسخ المخطوط في مكتبات العالم المختلفة، ثم ينتقل إلى المقارنة الدقيقة بينها، وإبراز مواضع الاختلاف، وترجيح الصواب بناءً على دراية واسعة وفهم عميق. كان يغوص في هوامش النصوص، شارحًا المصطلحات، وموضحًا الغامض، ومعلقًا على المواد بما يثري النص الأصلي. وتُوجت تحقيقاته بفهارس علمية شاملة للمصادر والمراجع والأعلام والآيات، مما جعل أعماله مرجعًا موثوقًا للباحثين والدارسين. هذا الجهد الكبير يعكس صبرًا وجلدًا لا يتوفران إلا لمن وهب حياته للعلم.
أهمية إرثه وتأثيره الممتد
إن الأثر الذي تركه محمد يعقوب تركستاني يتجاوز مؤلفاته التي تزيد على العشرين كتابًا. يكمن تأثيره الحقيقي في المنهج الذي أرساه، وفي جيل من التلاميذ الذين تأثروا بعلمه وشغفه. كتابه “فقه اللغة العربية”، الصادر عام 1421هـ، يُعد نموذجًا لفكره العميق، حيث قسمه إلى أبواب تعالج فقه المصطلحات، وفقه الحركات، وفقه المفردات والتراكيب، بأسلوب يجمع بين الأصالة والمعاصرة. لقد أثبت التركستاني أن خدمة التراث ليست مجرد عمل أكاديمي، بل هي رسالة حضارية تهدف إلى الحفاظ على هوية الأمة وربط حاضرها بماضيها المجيد. ويبقى نتاجه العلمي، إلى جانب أخلاقه العالية وتواضعه الجم، غيثًا يزخر به سماء الثقافة العربية.


