اكتشاف مذهل: فهود محنطة طبيعيًا في كهوف شمال السعودية
في تطور علمي مذهل، كشفت بعثة من علماء الآثار الإيطاليين عن بقايا فهود محنطة بشكل طبيعي داخل كهوف عميقة بالقرب من مدينة عرعر في شمال المملكة العربية السعودية. هذا الاكتشاف غير المسبوق، الذي يتراوح عمره بين 130 سنة وأكثر من 1800 سنة، يمثل نقلة نوعية في فهمنا للتاريخ الطبيعي للفهود في المنطقة وظاهرة التحنيط نفسها.
تمكن الفريق الأثري من استخراج بقايا سبعة فهود محنطة بشكل لافت، بالإضافة إلى عظام 54 فهداً آخر، مما يشير إلى تجمع كبير لهذه الحيوانات في هذه الكهوف عبر العصور. وقد أثار هذا العدد الكبير من البقايا تساؤلات حول سبب وجودها، مع ترجيحات بأن الكهوف ربما كانت عريناً طبيعياً تتناسل فيه الفهود وتربي صغارها، أو ربما كانت مصيدة طبيعية لها.
التحنيط الطبيعي: ظاهرة تتجاوز الفراعنة
لطالما ارتبط مفهوم التحنيط بالحضارة المصرية القديمة وتقنياتها المعقدة للحفاظ على الجثث. ومع ذلك، فإن اكتشاف الفهود المحنطة في السعودية يقدم دليلاً قوياً على أن التحنيط يمكن أن يحدث بشكل طبيعي في ظروف بيئية معينة. وقد أشار العلماء إلى أن درجات الحرارة المستقرة والجفاف الشديد داخل الكهوف الصحراوية، بالإضافة إلى طبيعة الرمال والتربة الطينية، قد ساهمت في حفظ هذه البقايا الحيوانية عبر قرون طويلة.
عالم الآثار مادوريل مالابيرا من جامعة فلورنسا الإيطالية، الذي شارك في الاكتشاف، عبر عن دهشته لشبكة «سي بي اس نيوز» التلفزيونية الأمريكية قائلاً: «لم أر شيئاً مثل هذا من قبل». هذا التصريح يؤكد على التفرد والأهمية العلمية لهذا الكشف، الذي يوسع فهمنا لعمليات الحفظ الطبيعي (taphonomy) في البيئات القاحلة.
الفهود في الجزيرة العربية: سياق تاريخي وبيئي
كانت الفهود (على الأرجح الفهد الآسيوي، Acinonyx jubatus venaticus) منتشرة على نطاق واسع في شبه الجزيرة العربية والشرق الأوسط وأجزاء من آسيا في العصور القديمة. لعبت هذه الحيوانات المفترسة السريعة دوراً مهماً في النظام البيئي الصحراوي، حيث كانت تفترس الغزلان والمها وغيرها من الحيوانات البرية. وعلى الرغم من انقراضها من البرية في السعودية منذ فترة طويلة، إلا أن هذا الاكتشاف يقدم دليلاً مادياً ملموساً على وجودها وتكاثرها في المنطقة، ويوفر فرصة فريدة لدراسة الحمض النووي القديم لهذه الحيوانات، مما قد يكشف عن معلومات قيمة حول تطورها، نظامها الغذائي، والأسباب التي أدت إلى انقراضها المحلي.
السعودية: مركز للاكتشافات الأثرية المتوالية
يأتي هذا الكشف عن الفهود المحنطة بعد يوم واحد فقط من إعلان هيئة التراث السعودية وشركة تطوير السودة بمنطقة عسير عن العثور على رسومات صخرية في جبال السودة لا يقل عمرها عن 5 آلاف سنة. هذه الاكتشافات المتتالية تسلط الضوء على المملكة العربية السعودية ككنز أثري غني، وتؤكد على أهميتها المتزايدة في فهم تاريخ البشرية والحياة البرية في المنطقة والعالم. فالمملكة، التي كانت جسراً للحضارات وموطناً لمجموعات بشرية وحيوانية متنوعة عبر العصور، لا تزال تكشف عن أسرارها المدفونة، مما يعزز مكانتها على الخريطة الأثرية العالمية.
الأهمية والتأثير: رؤى جديدة للمستقبل
ينشر هذا الكشف، الذي نشرته مجلة «كومينيكيشن إيرث آند إنفايرونمنت»، أضواء غير مسبوقة على التطور التاريخي وانقراض الفهود في المملكة العربية السعودية. فعلى الصعيد العلمي، يوفر بيانات لا تقدر بثمن للباحثين في مجالات علم الحيوان القديم، علم البيئة القديمة، ودراسات التغير المناخي. كما يمكن أن تساهم الرؤى المستخلصة من هذا الاكتشاف في جهود الحفاظ على الأنواع المهددة بالانقراض اليوم، من خلال فهم العوامل التي أدت إلى انقراض الأنواع في الماضي.
وعلى الصعيد المحلي والإقليمي، يعزز هذا الاكتشاف مكانة السعودية كوجهة رائدة للبحث الأثري والعلمي، ويفتح آفاقاً جديدة للتعاون الدولي في هذا المجال. كما يساهم في إثراء الوعي بالتراث الطبيعي والثقافي للمملكة، ويشجع على المزيد من الاستكشافات التي قد تكشف عن المزيد من الأسرار المدفونة في صحاريها وكهوفها الشاسعة.


