spot_img

ذات صلة

مفاوضات مسقط: قائد عسكري أمريكي وشروط نتنياهو النووية

في ظل مؤشرات متباينة تخرج من مسقط حول الجولة الأولى من المفاوضات النووية غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، تتصاعد التساؤلات حول المسار الحقيقي لهذه المحادثات ومستقبل الاتفاق النووي. برز تطوران لافتان يعكسان حجم التعقيدات والتوترات الراهنة: الأول تمثل في إيفاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لأعلى قائد عسكري أمريكي في الشرق الأوسط إلى طاولة التفاوض، والثاني في كشف إسرائيل عن ستة مطالب صارمة يصر عليها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ويسعى لفرضها على أي اتفاق محتمل. هذه التطورات لا تعكس فقط حجم التوتر والتعقيدات، بل تبرز أيضاً تداخل السياسة بالقوة العسكرية في أحد أكثر الملفات حساسية في المنطقة.

السياق التاريخي للمفاوضات النووية الإيرانية

تأتي هذه المفاوضات في سياق تاريخي معقد، يعود إلى توقيع الاتفاق النووي الإيراني عام 2015، المعروف بخطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، بين إيران ومجموعة 5+1 (الولايات المتحدة، روسيا، الصين، فرنسا، المملكة المتحدة، وألمانيا). كان الهدف من الاتفاق هو تقييد البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع العقوبات الدولية. إلا أن الانسحاب الأمريكي الأحادي من الاتفاق عام 2018، بقرار من إدارة ترامب، وإعادة فرض العقوبات، أدى إلى تصعيد كبير في التوترات، ودفع إيران للتراجع تدريجياً عن بعض التزاماتها النووية. لطالما لعبت سلطنة عمان دور الوسيط المحايد في تسهيل قنوات الاتصال بين واشنطن وطهران، وهو دور تاريخي يعكس سياستها الخارجية المتوازنة ورغبتها في استقرار المنطقة.

جنرال بزيه العسكري في مهمة دبلوماسية

في خطوة غير معتادة، كلف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)، بحضور المحادثات غير المباشرة مع إيران في مسقط. ظهر كوبر مرتدياً زيه العسكري، وهي رسالة فُسرت على أنها تأكيد على الحشد العسكري الأمريكي المتزايد في المنطقة، وربط مباشر بين مسار التفاوض والخيارات العسكرية المتاحة. أثارت هذه الخطوة تساؤلات واسعة حول دلالاتها السياسية والاستراتيجية، خاصة وأنها المرة الأولى التي يشارك فيها قائد عسكري بهذا المستوى في محادثات من هذا النوع، مما يفتح الباب أمام تفسيرات تتجاوز الجانب البروتوكولي إلى رسائل ردع وضغط ميداني. هذا التكتيك قد يهدف إلى إظهار جدية واشنطن في التعامل مع الملف النووي الإيراني، وربما ممارسة ضغط إضافي على طهران لدفعها نحو تقديم تنازلات.

انتقادات لنهج واشنطن الدبلوماسي

في هذا السياق، رأت إليسا إيورز، التي شغلت مناصب في الأمن القومي بإدارتي جورج دبليو بوش الابن وباراك أوباما، أن تكليف قادة عسكريين بمهام دبلوماسية رفيعة يعكس تقليلاً من شأن الدبلوماسيين المحترفين، واعتماداً مفرطاً على الجيش في إدارة ملفات السياسة الخارجية، وفقاً لما نقلته وكالة “أسوشيتد برس”. وأكدت أن الدبلوماسية الناجحة تتطلب وقتاً وجهداً واستثماراً طويل الأمد، قائلة: “لا يحتاج كل مسمار إلى مطرقة”، في إشارة إلى مخاطر تغليب المنطق العسكري على المسارات السياسية.

ستة شروط إسرائيلية على طاولة واشنطن

بالتوازي مع التحرك الأمريكي، كشفت مصادر إسرائيلية عن ستة مطالب يصر عليها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وقد أبلغ بها الجانب الأمريكي مع اقتراب جولة ثانية من المحادثات النووية. ووفقاً لما نقلته القناة 14 الإسرائيلية، تشمل هذه المطالب:
• الإلغاء الكامل للبرنامج النووي الإيراني.
• صفر قدرة على التخصيب.
• إزالة جميع كميات اليورانيوم المخصب من داخل إيران.
• تحديد مدى الصواريخ الباليستية بـ 300 كيلومتر.
• تفكيك كامل لشبكة الوكلاء التابعة لطهران في المنطقة.
• إشراف كامل وطويل الأمد على أي اتفاق مستقبلي.

طهران تهاجم و”القدرات الدفاعية” خط أحمر

في المقابل، صعّد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لهجته تجاه إسرائيل، متهماً إياها باتباع “عقيدة الهيمنة” التي تتيح لها توسيع ترسانتها العسكرية، مع الضغط على دول أخرى في المنطقة لنزع سلاحها. وشدد عراقجي، إلى جانب مسؤولين إيرانيين آخرين، على أن القدرات الدفاعية لبلاده، بما فيها الصواريخ، “غير قابلة للتفاوض”، في موقف يعكس اتساع فجوة الخلاف قبيل أي جولة قادمة.

أهمية وتأثير المفاوضات: محلياً، إقليمياً، ودولياً

تكتسب هذه المفاوضات أهمية بالغة على عدة مستويات. محلياً، تعزز دور عمان كوسيط موثوق ومحايد، مما يسهم في استقرار المنطقة. إقليمياً، فإن أي اتفاق أو فشل في التوصل إليه سيؤثر بشكل مباشر على أمن الخليج، واستقرار دول مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن، حيث تتواجد جماعات مدعومة من إيران. كما أن المخاوف الأمنية لإسرائيل من البرنامج النووي الإيراني ونفوذ طهران الإقليمي تعد محركاً رئيسياً للموقف الإسرائيلي المتشدد. دولياً، يمثل الملف النووي الإيراني تحدياً كبيراً لنظام عدم انتشار الأسلحة النووية، وله تداعيات على أسعار النفط العالمية واستقرار الملاحة في مضيق هرمز. إن نجاح الدبلوماسية في هذا الملف يمكن أن يفتح آفاقاً لتهدئة التوترات في الشرق الأوسط، بينما فشلها قد يدفع المنطقة نحو مزيد من التصعيد أو حتى المواجهة العسكرية، مما يهدد الأمن والسلم العالميين.

لقاء مرتقب يحدد المسار

تتجه الأنظار الآن إلى اللقاء المرتقب بين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب في واشنطن الأربعاء القادم، والذي يُنتظر أن يكون حاسماً في رسم ملامح الموقف الأمريكي من الشروط الإسرائيلية، وتحديد حدود المرونة الممكنة في المفاوضات مع طهران. هذا الاجتماع سيحدد إلى حد كبير المسار المستقبلي لهذه المحادثات المعقدة.

spot_imgspot_img